اليد الحديدية في التدبير لا يجب أن تخنق الروح الديمقراطية
اليد الحديدية في التدبير لا يجب أن تخنق الروح الديمقراطية

يشكل الإنتقال المغربي بخصوص برامج التنمية المحلية تحث إشراف مالي وتدبيري صارم لوزارة الداخلية ووفق هندسة تقنوقراطية دقيقة، أحد المنعطفات الحاسمة التي تتجاوز سياق أي إصلاح إداري نحو تدبير نوعي يدخل في صلب إعادة صياغة عقد إجتماعي و سياسي تنموي جديد . إنه إعتراف صريح بـفشل أصاب قنوات الوساطة التقليدية التي تغديها الإنتخابات من خلال منتخبين يمثلون ألوان سياسية مختلفة بينوا قصور أدائهم إلا من رحم ربك، فالتدبير التنموي الجديد في جوهره هو رسالة رصينة وجدية تعبر عن إرادة سياسية عليا مفادها أن عجلة التنمية لم تعد تحتمل السير بسرعتين ، سرعة ناتجة في أساسها عن الحسابات السياسوية الضيقة و تدوير نخب إستنزفت رصيدها من الثقة العامة.
نحن اليوم أمام محاولة جريئة لضبط إيقاع الزمن التنموي عبر إستعارة وسائل القطاع الخاص في المرونة والسرعة، غير أننا يجب ألا نستبعد أن عملية محسوبة بدقة تضع رجل السلطة في مواجهة مباشرة مع أسئلة الديمقراطية والسيادة التدبيرية. فالرهان على الفعالية المقاولاتية وتجاوز البيروقراطية القاتلة عبر تحويل الوكالات الجهوية إلى شركات خاضعة للقانونين الإداري والتجاري، هو تجسيد لدروس قاسية إستخلصتها الدولة من تعثر مشاريع كبرى في السابق.
إننا أمام صرخة في وجه الأحزاب السياسية التي فشلت في تجديد نخبها، وظلت تراهن على تدويل نفس النخب ونفس الأسماء والعائلات بدل الكفاءات التي لم تجد في وطنها الرصيف ، الأمر الذي إضطرت معه الدولة على البحث عن مسارات بديلة تضمن وصول المشاريع التنموي إلى غايتها دون أن يبتلعها ريع المحاصصة. إن هذا النزوع نحو “تكننة التنمية” Technocratization of Development بإعتباره أحد المفاهي الجديدة في حقل القانون العام الداخلي، والذي يهدف إلى تحويل عملية التنمية من شأن سياسي وإجتماعي إلى قضية تقنية بحتة يتولاها خبراء ومتخصصون، مع التركيز بالأساس على لغة الأرقام و المؤشرات والحلول الإدارية، مع إستبعاد الخلافات الأيديولوجية أو الصراعات الإنتخابية التي كانت سببا في حالات التفاوت المجالي. فهل المبادرة الجديدة ستبرز لنا حالة عزوف سياسي نوعي ، فالمرشح الذي ما فتأ يلهت وراء التزكيات مغيرا جلدته السياسية في كل محطة إنتخابية سيرى أن إنتقال القرار التنموي إلى يد المدير أو الوالي أو العامل، قد يجد نفسه متقاعسا بشكل مباشر نحو التخلي عن صناديق الإقتراع ما دام تدبير محفظة المشاريع يدار بعيدا عن صراعات البرامج السياسية؟ الجواب عن هذا السؤال سيكون لا محالة لفائدة النخب الكفأة التي تؤمن بجدية العمل السياسي وقدسية التمثيل في المجالس الترابية و التي ستعمل جاهدة على تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
غير أن القراءة العميقة لهذا التحول تشير إلى أننا لسنا أمام إلغاء للسياسة بقدر ما نحن أمام ضرورة إعادة هيكلة لها . فترؤس رئيس الجهة لمجلس إدارة هذه الشركات يضعه أمام مسؤولية تاريخية، إذ لم يعد يملك تبرير أي بطئ للمساطر للاختباء وراء الفشل. كما أن إخضاع هذه الأذرع التنفيذية لرقابة مزدوجة من المفتشية العامة لوزارة المالية و وزارة الداخلية، و فتح منصات رقمية للمتابعة من طرف المجتمع المدني ، يمثل إنتقالا نوعيا من الديمقراطية التمثيلية الصرفة إلى ديمقراطية الأداء التنموي، حيث المحاسبة لا تتم كل خمس سنوات، بل عبر تدقيق سنوي وقياس للأثر الميداني . إنها محاولة لقطع الطريق على مغرب السرعتين، وربط المركز بالهامش عبر جسور من الرقمة والشفافية الراديكالية التي لا تستثني أحدا.
يبدو أن المغربي يحاول تدشين طريق ثالث لا هو شمولي شرقي صارم (الصين وفيتنام)، ولا هو نمودج لديمقراطية غربية مترهلة. إنه صنع مغربي فريد يراهن على شرعية الإنجاز كصمام أمان للإستقرار الإجتماعي.
ختاما،إن نجاح أية عملية تقنوقراطية تظل مشروطة بقدرة الدولة على تحويل المحاسبة من مجرد شعار إداري إلى سيف قانوني إعمالا لمبدأ المحاسبة الحقة، وبضرورة موازنة القوة بين رجل الإدارة ورجل التعليم، فلا تنمية مستدامة بجدران إسمنتية ومقاولات كبرى إذا كان الاستثمار في رأس المال البشري والذي على رأسه يأتي في مرتبة ثانوية لاحقة. كما أن المخرج الحقيقي يكمن في جعل هذه الهياكل الجديدة مجرد وسائل لخدمة غاية أسمى، وهي إعادة الإعتبار للمؤسسات المنتخبة وتأهيلها داخل كوادرها السياسية عبر ضخ دماء جديدة قادرة على فهم لغة الإستثمار، وضمان أن اليد الحديدية في التدبير لا تخنق الروح الديمقراطية التي تظل الضامن الوحيد لشرعية الدولة.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي




