المغرب وسوريا.. من التقارب الشعبي إلى التحالف الاستراتيجي

الدار/ غيثة حفياني
في لحظة إقليمية تعيش فيها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولات سياسية عميقة، برزت الرباط كواحدة من أولى المحطات الدبلوماسية التي اختارتها القيادة السورية الجديدة لإعادة ترتيب علاقاتها العربية والانفتاح مجدداً على محيطها الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا الاختيار، مجرد خطوة بروتوكولية عابرة، بل يحمل رسائل سياسية واستراتيجية تبرز إدراك دمشق للمكانة التي بات يحتلها المغرب داخل العالم العربي والقارة الإفريقية.
فالمملكة المغربية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل إقليمي وازن، بفضل استقرارها السياسي، وديناميتها الاقتصادية، وشبكة علاقاتها المتوازنة مع العواصم العربية والإفريقية والغربية، وهو ما جعلها منصة مناسبة لأي انفتاح سوري جديد نحو إفريقيا والعالم العربي المعتدل.
أحد أبرز العوامل التي دفعت دمشق إلى اختيار الرباط يتمثل في الرصيد الإيجابي الذي يحظى به المغرب داخل الوجدان الشعبي السوري. فالمغاربة ظلوا، على امتداد سنوات الأزمة السورية، يحظون بصورة إيجابية لدى قطاعات واسعة من السوريين، سواء بسبب المواقف الإنسانية أو الروابط الثقافية والدينية والتاريخية التي تجمع الشعبين.
هذا المعطى الشعبي يبدو أنه تحول اليوم إلى عنصر مؤثر في الحسابات السياسية السورية، خاصة مع توجه القيادة الجديدة نحو إعادة بناء علاقاتها الخارجية على أساس القبول الشعبي والانفتاح على الدول التي تمتلك صورة مستقرة وإيجابية لدى الرأي العام العربي.
وفي الجانب الاستراتيجي، تدرك دمشق أن المغرب لم يعد مجرد دولة مغاربية تقليدية، بل أصبح خلال العقد الأخير قوة إقليمية صاعدة داخل إفريقيا، مستفيداً من حضوره الاقتصادي المتنامي واستثماراته الواسعة في قطاعات البنوك والطاقة والفلاحة والبنيات التحتية بعدد من الدول الإفريقية. كما عزز المغرب موقعه الدبلوماسي من خلال العودة القوية إلى الاتحاد الإفريقي وتوسيع شبكة شراكاته جنوباً، ما جعله بوابة طبيعية نحو الأسواق الإفريقية.
وتسعى سوريا، التي تواجه تحديات إعادة الإعمار وإعادة الاندماج الاقتصادي، إلى الاستفادة من هذا الامتداد المغربي داخل القارة، سواء عبر الشراكات الاقتصادية أو من خلال بناء قنوات تواصل جديدة مع الدول الإفريقية التي ترتبط بعلاقات قوية مع الرباط.
السياسة الخارجية السورية الجديدة تبدو أكثر ميلاً نحو التقارب مع ما يوصف بمحور “الاعتدال العربي”، الذي يضم دولاً مثل السعودية والإمارات وقطر والأردن والمغرب، وهي دول تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً متزايداً في المنطقة، وتلعب أدواراً محورية في ملفات الاستثمار والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، تحاول دمشق إرسال إشارات واضحة بأنها ترغب في بناء علاقات قائمة على البراغماتية الاقتصادية والانفتاح السياسي، بعيداً عن الاستقطابات الحادة التي طبعت المنطقة خلال السنوات الماضية.
المغرب يمثل بالنسبة لسوريا شريكاً يتمتع بعدة نقاط قوة؛ أبرزها الاستقرار المؤسساتي، والانفتاح الاقتصادي، والعلاقات الدولية المتوازنة، إضافة إلى صورته كدولة قادرة على لعب أدوار الوساطة والحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
كما أن الرباط نجحت في تكريس نموذج تنموي جعلها مركزاً جاذباً للاستثمارات الأجنبية في إفريقيا، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، وهو ما قد يفتح مستقبلاً الباب أمام تعاون اقتصادي سوري-مغربي في مرحلة إعادة الإعمار واستعادة النشاط التجاري.
عودة الدفء إلى العلاقات المغربية السورية يعكس أيضاً تحولات أوسع يشهدها العالم العربي، عنوانها إعادة ترتيب الأولويات على أساس المصالح الاقتصادية والاستقرار السياسي بدل الاصطفافات الإيديولوجية التقليدية.
وبين الرصيد الشعبي الإيجابي، والمصالح الاقتصادية المتبادلة، والموقع الجيوسياسي للمغرب داخل إفريقيا والعالم العربي، تبدو الرباط اليوم بالنسبة لدمشق أكثر من مجرد محطة دبلوماسية، بل شريكاً استراتيجياً في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة تموضعها إقليمياً والانفتاح على فضاءات جديدة للتعاون والاستثمار.




