Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوسحوادت

خلف سقوط طائرة تمارة.. حكاية طيار عسكري شهيد جعل من التضحية عنواناً للواجب الوطني

الدار/ مريم حفياني

في كل مرة تندلع فيها حرائق الغابات، تتجه الأنظار إلى ألسنة اللهب التي تلتهم الأشجار، لكن قليلين هم من ينظرون إلى الرجال الذين يحلقون فوقها، على ارتفاعات منخفضة، في واحدة من أخطر المهام الجوية. ومن بين هؤلاء كان المساعد الأول نجيب لمغاري، الطيار العسكري الدركي الذي ارتقى شهيداً وهو يؤدي واجبه الوطني خلال مشاركته في مهمة لإخماد حريق غابوي بمنطقة المعمورة، بعدما سقطت الطائرة التي كان يقودها قرب تمارة.

ولم يكن الشهيد في مهمة عسكرية قتالية، ولم يكن يخوض مواجهة مع عدو مسلح، بل كان يخوض معركة من نوع آخر ضد النيران التي هددت الغطاء الغابوي والمجالات المجاورة. وبين الدخان الكثيف والتيارات الهوائية المضطربة والحرارة المرتفعة، أنهى رحلته الأخيرة وهو يؤدي رسالته بكل شجاعة وإخلاص.

وكانت الطائرة المنكوبة تحمل التسجيل CN-AZV، وهي من طراز Ayres T660 Turbo Thrush، أحد الطرازات المتخصصة في المهام الجوية منخفضة الارتفاع، والتي تُستخدم في مراقبة الحرائق ودعم عمليات مكافحتها. وتتميز هذه الطائرات بقدرتها على المناورة في ظروف صعبة، غير أن طبيعة مهامها تجعلها من أكثر الطائرات عرضة للمخاطر، بسبب التحليق على مستويات منخفضة جداً وسط الدخان والرياح المتغيرة والحرارة الشديدة.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الطائرة كانت تشارك في عمليات التدخل لمواجهة الحريق الذي اندلع بغابة المعمورة، قبل أن تتحطم في ظروف لا تزال تخضع لتحقيق تقني من طرف الجهات المختصة لتحديد الأسباب الدقيقة للحادث، سواء كانت مرتبطة بعوامل تقنية أو ظروف التشغيل أو غيرها من المعطيات التي سيحسم فيها التحقيق الرسمي.

ويجسد المساعد الأول نجيب لمغاري صورة الطيار العسكري الذي يعمل بعيداً عن الأضواء. فمهنة الطيران العسكري لا تقتصر على المهام الدفاعية، بل تشمل أيضاً عمليات الإنقاذ والإغاثة ومكافحة الكوارث الطبيعية، وهي مهام تتطلب تكويناً عسكرياً وتقنياً عالياً، وقدرة على اتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة، مع تحمل مسؤولية حماية الأرواح والممتلكات والبيئة.

ويؤكد خبراء الطيران أن الطلعات الجوية الخاصة بمكافحة حرائق الغابات تعد من بين أخطر المهام في العالم، لأن الطيار يضطر إلى التحليق في بيئة تتغير باستمرار، حيث تؤثر الحرارة الصاعدة والدخان الكثيف بشكل مباشر على الرؤية والأداء الجوي، فيما تفرض كل عملية اقتراب أو مناورة هامشاً ضيقاً للغاية للخطأ.

ولم يكن استشهاد المساعد الأول نجيب لمغاري مجرد حادث طيران، بل كان تذكيراً بحجم التضحيات التي يقدمها أفراد القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي وسائر الأجهزة الأمنية في زمن السلم، وهم يضعون حياتهم على المحك لحماية الوطن ومقدراته الطبيعية، تماماً كما يفعلون في مختلف المهام الإنسانية وعمليات الإنقاذ والإغاثة.

وفي مشهد مهيب يليق بمن أفنى حياته في خدمة بلاده، جرى اليوم الجمعة تشييع جثمان الشهيد في مقبرة الشهداء بالرباط، في إطار تكريم عسكري، بحضور مسؤولين عسكريين وأفراد من أسرته ورفاقه، حيث ودعته المؤسسة التي خدمها بكل وفاء، واستحضر الجميع تضحيات رجل أدى واجبه حتى آخر لحظة من حياته.

ورغم أن التحقيق سيحدد مستقبلاً الملابسات الدقيقة للحادث، فإن الحقيقة التي لن تتغير هي أن المساعد الأول نجيب لمغاري غادر الدنيا من المكان الذي أحبّه؛ من قمرة القيادة، وهو يؤدي واجبه الوطني. وسيظل اسمه محفوراً في سجل شهداء الوطن، ورمزاً لكل أولئك الجنود الذين يعملون بصمت، بعيداً عن عدسات الكاميرات، ويؤمنون بأن حماية الوطن ليست شعاراً، بل مسؤولية قد تبلغ حد التضحية بالحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى