Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

المجلس الوطني لحقوق الإنسان يكشف خلاصات مثيرة حول أحداث سبتة ومليلية

أحمد البوحساني

كشف المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن خلاصاته واستنتاجاته الأولية بشأن أحداث العبور الجماعي التي شهدتها منطقتا الفنيدق وسبتة، وبني أنصار ومليلية، والتي تحولت خلال نهاية يوليوز الماضي إلى واحدة من أبرز الأحداث المرتبطة بالهجرة والحدود في المغرب.

وقال المجلس، في بلاغ صحفي، إنه يواصل تتبع هذه الأحداث بـ”قلق شديد وانشغال بالغ”، بالنظر إلى ما ترتب عنها من تداعيات على حقوق الإنسان، خصوصاً الحق في الحياة، وحقوق الأطفال، والحقوق المرتبطة بالهجرة، فضلاً عن ما وصفه بأوضاع يمكن أن تشكل مساساً جوهرياً بالكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية.

وأوضح المجلس أنه اعتمد في رصده على المعطيات الميدانية والرقمية، إلى جانب شهادات الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم، فضلاً عن تقاطع المعطيات الصحفية ومصادر متعددة، مؤكداً أن ما قدمه يمثل خلاصات أولية، في انتظار استكمال التحريات وتجميع مزيد من المعطيات التي قد تفضي لاحقاً إلى تقرير أكثر تفصيلاً.

لجنة يقظة ورصد ميداني ورقمي :

وفي إطار تعزيز عملية التتبع، أحدثت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يوم 29 يوليوز، لجنة لليقظة والتنسيق والتتبع، ضمت رؤساء اللجان الجهوية لحقوق الإنسان بجهات الشرق وطنجة-تطوان-الحسيمة والدار البيضاء-سطات، إلى جانب مديرية الرصد ومديرية التواصل والفضاء الرقمي ومكلف بمهمة لدى رئاسة المجلس.

وتولت فرق المجلس رصد مختلف المدن التي شهدت تجمعات للشباب والقاصرين أو محاولات للعبور، كما وثقت محاولات العبور بالقرب من بني أنصار وسبتة، واستمعت إلى شهادات شباب وأطفال خلال رحلات توجههم نحو مناطق العبور، وكذلك بالقرب من الفنيدق وبني أنصار.

كما شمل الرصد الفضاء الرقمي، حيث اطلع المجلس على محتويات متداولة عبر منصات “إكس” و”إنستغرام” و”تيك توك”، إضافة إلى 23 مجموعة على موقع “فيسبوك”، يتجاوز مجموع أعضائها مليوناً و86 ألف شخص، وكانت تنشر في المتوسط أكثر من 1400 تدوينة يومياً. وأشار المجلس إلى حذف خمس مجموعات رئيسية يوم 30 يوليوز.

قرار قضائي إسباني يتحول إلى وقود للتعبئة :

ويكشف التسلسل الزمني الذي قدمه المجلس أن محاولات العبور لم تبدأ في 30 يوليوز، وإنما تصاعدت تدريجياً منذ منتصف يونيو، قبل أن تبلغ ذروتها في نهاية الشهر الماضي.

ومن بين المحطات التي توقف عندها المجلس، قرار المحكمة العليا الإسبانية المنشور في 8 يوليوز، والذي يتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر.

غير أن المجلس سجل انتشار تأويلات اعتبرها مضللة لمضمون القرار، خصوصاً عبر مجموعات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم الترويج لفكرة مفادها أن المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة سباحة “لا يمكن إرجاعهم”.

وبحسب المجلس، ساهمت هذه التأويلات في خلق موجة تعبئة واسعة، خصوصاً بعد انتشار صورة شابة مغربية وصلت إلى سبتة سباحة يوم 28 يوليوز، قبل أن تتحول صورتها إلى مادة للترويج للعبور وتقديم تأويلات غير دقيقة للحكم القضائي الإسباني.

واتساب وفيسبوك وتيك توك.. منصات رقمية لعبت دوراً حاسماً :

وسجل المجلس أن الفضاء الرقمي لعب دوراً رئيسياً في مختلف مراحل عملية العبور، بدءاً من التحضير والتعبئة، وصولاً إلى تبادل المعلومات أثناء العبور وبعد الوصول إلى سبتة.

وتضمنت بعض المجموعات، وفق خلاصات المجلس، إرشادات حول طرق الوصول، ونقاط التجمع، والمسالك، وأماكن المراقبة، والتوقيتات المناسبة، فضلاً عن تبادل التجارب السابقة.

كما رصد المجلس منشورات تتعلق ببيع واقتناء معدات السباحة وسترات النجاة والزعانف وملابس الرياضات البحرية.

الأكثر إثارة، بحسب المجلس، هو رصد منشورات تحمل مؤشرات على نشاط وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر، من خلال عرض خدمات لتنظيم أو تسهيل عمليات العبور مقابل مبالغ مالية.

كما أشار المجلس إلى وجود أرقام وحسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية، مع تسجيل حالات لحذف أرقام هاتفية تحمل رمز دولة أجنبية من مجموعات كانت تتداول إرشادات حول كيفية الوصول إلى سبتة.

30 يوليوز.. آلاف الأشخاص في مواجهة مع الحدود :

وبحسب التسلسل الزمني الذي أورده المجلس، شهد يوم 29 و30 يوليوز توافداً كبيراً للشباب والقاصرين والعائلات على مدينة الفنيدق، بعدما انتشرت في الفضاء الرقمي أخبار تفيد بأن “الحدود مفتوحة”.

وقال المجلس إن عدداً من الشباب الذين تم الاستماع إليهم أفادوا بأنهم تلقوا رسائل عبر تطبيق “واتساب” تدعوهم إلى التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل من أجل محاولة المرور بشكل جماعي.

وفي 30 يوليوز، سجل المجلس عبور آلاف المواطنين المغاربة والأجانب، بينهم أطفال ويافعون ونساء، نحو سبتة.

وفي المقابل، أدت عمليات منع العبور إلى مواجهات عنيفة بين مجموعات من الشباب والقاصرين والقوات العمومية، تخللتها، وفق المعطيات التي قدمها المجلس، عمليات رشق بالحجارة وإضرام النار في سيارات خاصة وأخرى تابعة للسلطات، وإلحاق أضرار بممتلكات عمومية.
كما سجلت محاولات للعبور نحو مليلية انطلاقاً من محيط بني أنصار وفرخانة والمسالك القريبة من السياج والساحل.

– 14 وفاة مغربية مقابل 80 وفق السلطات الإسبانية :

ويبقى ملف الوفيات من أكثر النقاط إثارة للجدل في خلاصات المجلس. فبحسب المعطيات المغربية التي أوردها المجلس، ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بالأحداث إلى 14 شخصاً إلى غاية 6 غشت.
في المقابل، أعلنت سلطات سبتة عن أرقام أعلى بكثير، وصلت، وفق المعطيات التي أوردها المجلس، إلى 80 وفاة.
وسجل المجلس وجود تضارب كبير في المعطيات الإسبانية نفسها، ليس فقط بشأن عدد الوفيات، وإنما أيضاً بخصوص أعداد الأشخاص الذين غادروا سبتة طوعاً، ومن قرروا البقاء، إضافة إلى عدد الأطفال غير المرافقين الموجودين بالمدينة.

ودعا المجلس إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في أعداد الوفيات، والتعرف على الجثامين واتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادتها إلى أسرها ودفنها في ظروف تحفظ الكرامة الإنسانية.

– 136 إصابة مدنية و87 من عناصر القوات العمومية :

وبخصوص الإصابات، أفاد المجلس بتسجيل 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين، بينما أحيل 13 مصاباً إلى مؤسسات استشفائية، خصوصاً بسبب الكسور أو الحاجة إلى فحوصات بالأشعة.

كما قدمت استشارات وعلاجات طبية لـ87 عنصراً من القوات العمومية المغربية، وفق المعطيات المتوفرة لدى المجلس.

أما في الجانب الإسباني، فلم يعلن، بحسب المجلس، عن معطيات بشأن إصابات في صفوف القوات العمومية.

توقيف نحو 100 شخص في سبتة :

وفي ما يتعلق بالتداعيات القضائية، أشار المجلس إلى توقيف حوالي 100 شخص في سبتة على خلفية الأحداث، بينهم 11 قاصراً.
وبحسب المعطيات التي أوردها، يتابع 69 شخصاً في حالة اعتقال، و14 في حالة سراح، فيما أودع ستة قاصرين بمراكز للرعاية الاجتماعية، وسلم خمسة آخرون إلى أولياء أمورهم.
كما تمت إحالة 23 شخصاً متابعاً في أحداث بني أنصار على استئنافية الناظور، بينهم أجنبيان، إضافة إلى 11 قاصراً.

أضرار مادية طالت عشرات السيارات والدراجات :

ولم تقتصر تداعيات الأحداث على الخسائر البشرية والإصابات، إذ رصد المجلس، إلى حدود 3 غشت، أضراراً بحوالي 61 سيارة خاصة و15 دراجة نارية و18 سيارة تابعة للقوات العمومية في منطقة الفنيدق وباب سبتة.
كما سجل المجلس أعمال عنف وإحراقاً للممتلكات خلال محاولات منع العبور.

اتهامات بسوء المعاملة ومخاوف بشأن استخدام القوة :

وفي جانب آخر، أثارت خلاصات المجلس قضايا حقوقية مرتبطة بكيفية تعامل السلطات مع العابرين.
فقد سجل المجلس حالات يثار بشأنها عدم احترام القواعد والمعايير المنظمة لاستخدام القوة، خصوصاً مبدئي الضرورة والتناسب، سواء أثناء منع العبور من الجانب المغربي أو خلال عمليات التعامل مع العابرين في الجانب الإسباني.
كما استمع إلى شهادات لعائدين تحدثوا عن تعرضهم، وفق ادعاءاتهم، لسوء معاملة واعتداءات، خصوصاً في أماكن قالوا إنها لا تغطيها الكاميرات.
وأكد المجلس أن هذه الشهادات والمعطيات تحتاج إلى مزيد من التحقيق والتحقق، مشيراً إلى أنه وضع إحدى الحالات التي جرى تداولها على نطاق واسع لدى النيابة العامة من أجل إعمال القانون.
وفي الوقت نفسه، نبه المجلس إلى أن بعض الصور والمقاطع المرتبطة بهذه الوقائع تعرضت للتلاعب، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي، كما تم تداول صور لإصابات لا علاقة لها بالسياق الأصلي للواقعة.

إغلاق المحلات وحرمان العابرين من الطعام والماء :

ومن أبرز الملاحظات التي سجلها المجلس أيضاً ما يتعلق بإغلاق عدد من المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي في سبتة.
وقال إن هذا القرار أدى، وفق خلاصاته، إلى معاناة آلاف الأشخاص من الجوع والعطش لمدة يومين، بينهم أطفال ونساء وأشخاص في وضعية هشاشة.
كما تحدث المجلس عن شهادات تفيد بتدخل عناصر أمنية لإخراج شباب من مطاعم قررت تقديم المساعدة لبعض الوافدين.
واعتبر المجلس أن هذه الوقائع تثير مخاوف جدية بشأن احترام الحق في الماء والتغذية وتوفير المساعدة والحماية للأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة.

اعتداءات عنصرية ومجموعة متطرفة في سبتة :

كما رصد المجلس وصول مجموعة تطلق على نفسها اسم “النواة الوطنية” في إسبانيا إلى سبتة يوم فاتح غشت، ووصفها، استناداً إلى معطياته، بأنها تصنف ضمن مجموعات “النازيين الجدد”.
وبحسب المجلس، كانت المجموعة قد دعت إلى التعبئة من أجل “الدفاع” عن سبتة، قبل أن توثق فيديوهات استفزازات وتهديدات ومطاردات واعتداءات استهدفت وافدين وسكاناً، خصوصاً المسلمين.
وحذر المجلس من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض ضد المهاجرين والأجانب وأسرهم، داعياً إلى عدم تحويل الأحداث إلى أداة للاستغلال السياسي أو لتبرير خطاب معاد للهجرة.

قيود على التنقل داخل المغرب :

وفي الجانب المغربي، سجل المجلس إجراءات مشددة لتقييد تنقل أشخاص كانوا يتجهون نحو مدن الشمال.
وأشار إلى توقيف عدد من الرحلات المتوجهة إلى الشمال خلال الفترة الممتدة بين 29 و31 يوليوز، خصوصاً بمحطات النقل والقطارات في عدد من المدن المغربية، من بينها الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير.
وأكد أن هذه الإجراءات تستوجب تقييم مدى انسجامها مع المعايير الحقوقية والقانونية المتعلقة بحرية التنقل.

المجلس .. لا يمكن اختزال الظاهرة في الفقر والهشاشة :

وفي خلاصته الأكثر دلالة، اعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن ظاهرة العبور الجماعي للشباب والقاصرين نحو سبتة ومليلية لا يمكن اختزالها فقط في الهجرة التقليدية المرتبطة بالفقر والهشاشة.
ويرى المجلس أن الظاهرة تعكس، كذلك، تحولاً في تطلعات الشباب وقراراتهم الفردية بشأن الانتقال من مكان إلى آخر، في ظل مجتمعات رقمية باتت، في جزء منها، ترفض منطق الحدود والحواجز.
كما حذر من أن الفضاءات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في صناعة القرار الجماعي، والتعبئة، والتنسيق، وحتى تقديم خدمات قد ترتبط بالاتجار بالبشر.

خلاصة.. أزمة حدود أم ظاهرة اجتماعية جديدة ؟

وتكشف خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن أحداث سبتة ومليلية لم تكن مجرد محاولة عبور جماعي عابرة، بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة، من بينها المحتوى الرقمي المضلل، والتعبئة عبر شبكات التواصل، وتغير تطلعات الشباب، ووجود محتمل لوسطاء وشبكات اتجار بالبشر، إلى جانب تعقيدات التعامل الأمني والحقوقي مع هذه التحركات.
وفي الوقت الذي شدد فيه المجلس على ضرورة احترام القانون وحماية الحدود، أكد أيضاً ضرورة احترام حقوق الإنسان وكرامة الأشخاص، خاصة الأطفال والقاصرين، والتحقيق في أي ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة أو الاستخدام غير المتناسب للقوة.

ويبقى ملف الوفيات، بالنظر إلى الفارق الكبير بين الأرقام المغربية والإسبانية، أحد أبرز الأسئلة التي تحتاج إلى تحقيق مشترك وشفاف، في انتظار استكمال المجلس الوطني لحقوق الإنسان تحرياته وإمكانية إصدار تقرير أكثر تفصيلاً حول الأحداث وتداعياتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى