الديمقراطية المغربية من شرعية التأسيس إلى مأزق الممارسة.

يأتي الإحتفال باليوم العالمي للديمقراطية والذي يصادف الخامس عشر من شهر شتنبر من كل سنة ، في لحظة سياسية وطنية تختبر فيها الممارسة الديمقراطية قدرتها على تجاوز الخطاب الإحتفالي إلى بناء تجربة راسخة، قوامها التنافس النزيه والمساءلة وتجديد النخب السياسية و ربط المسؤولية بالمحاسبة. فما مضى من الأيام الأولى من الحملة الإنتخابية لم يستطع من خلالها أي حزب متنافس كشف طبيعة برامجه ورهاناته، بل فضح بعض مرشحيه حدود الممارسة السياسية حين تحولت المنافسة إلى تبادل للإتهامات. ولا غرابة فما وقع حين يعاد إنتاج الوجوه نفسها، وتقديم الروابط العائلية والإعتبارات الخاصة على الكفاءة والالتزام بالمصلحة العامة.
منذ الاستقلال لم تكن التجربة الديمقراطية المغربية خط مستقيم أو مسار خالي من التوترات. فقد نشأت الدولة الوطنية في سياق إقليمي ودولي مضطرب، وكان عليها أن توفق بين بناء المؤسسات وترسيخ الوحدة الوطنية وتدبير التعدد السياسي والاجتماعي. لذلك ظلت الديمقراطية المغربية في مراحل مختلفة، محكومة بمعادلة دقيقة تجمع بين مركزية الدولة وتعدد الفاعلين، وبين الحاجة إلى الإستقرار والمطلب المتواصل بتوسيع فضاءات المشاركة والرقابة.
وقد عرف المغرب منذ دستور 1962 تعدد حزبي وانتخابي يعكس السعي المستمر إلى تطوير قواعد السلطة وتوزيع الإختصاصات. غير أن وجود المؤسسات لا يعني بالضرورة إكتمال الممارسة الديمقراطية، فالديمقراطية ليست مجرد إنتخابات دورية أو تعدد للأحزاب، بل هي ثقافة سياسية ومؤسسات فعالة وقضاء مستقل وإعلام مهني ومجتمع مدني قادر على المراقبة وأحزاب تنتج الأفكار وتؤطر المواطنين بدل أن تختزل وظيفتها في الإستحقاقات الانتخابية.
لقد شكلت التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، ولا سيما تجربة التناوب وهيئة الإنصاف والمصالحة ودستور 2011 لحظات مهمة في مسار الإصلاح السياسي. فقد ساهمت هذه المحطات في توسيع النقاش العمومي والاعتراف بجزء من الإختلالات الماضية وتعزيز مكانة الحقوق والحريات وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن دستور 2011 حمل مضامين متقدمة في مجال فصل السلط وتوسيع اختصاصات الحكومة والبرلمان وتعزيز الحكامة والجهوية والمشاركة المواطنة.
لكن الإشكال الأساسي ظل مجسدا في المسافة بين النص والممارسة. فكلما اتسعت التطلعات الشعبية ظهرت صعوبات في تحويل المقتضيات الدستورية إلى واقع ملموس. وما تزال العلاقة بين المؤسسات في حاجة إلى مزيد من التوازن، كما أن البرلمان لم يبلغ بعد المكانة التي تجعله فضاء فعلي لصناعة القرار ومراقبة الحكومة. أما الأحزاب فتعاني في حالات كثيرة من ضعف التأطير وغياب التجديد الداخلي وإرتباطها المفرط بالأشخاص والإنتخابات، الأمر الذي أضعف ثقة المواطن في جدوى المشاركة السياسية.
وتبدو الحملات الانتخابية في كثير من الأحيان مرآة لهذه الأعطاب. فبدل أن تكون مناسبة لتقديم تصورات واضحة حول التعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية والإقتصاد، تنزلق في الكثير من الأحيان إلى سجالات شخصية، وتبادل للإتهامات وإستثمار للإنتماءات العائلية والقبلية والمحلية. وحين يتكرر حضور المرشحين أنفسهم أو تنتقل المقاعد من جيل إلى آخر داخل العائلات ذاتها، فإن السؤال لا يتعلق فقط بشرعية الترشح، بل بمدى قدرة العملية السياسية على إنتاج نخب جديدة أكثر كفاءة وإستقلالية وإلتصاق بقضايا المجتمع.
ولا يعني نقد هذه المظاهر إنكار ما تحقق كما لا ينبغي أن يتحول إلى تشكيك دائم في كل المؤسسات أو إلى حنين ساذج إلى نماذج غير واقعية. فالمغرب راكم رغم الصعوبات تجربة خاصة حافظت على إستمرارية الدولة وفتحت مجالات للتطور التدريجي. غير أن الإستقرار الحقيقي لا يقاس فقط بغياب الأزمات بل بقدرة المؤسسات على إستيعاب الإختلاف وتصحيح الأخطاء وتجديد الثقة وضمان التداول المسؤول على تدبير الشأن العام.
إن أكبر تحد يواجه الديمقراطية المغربية اليوم هو أزمة الثقة. فالعزوف الإنتخابي وضعف الانخراط الحزبي وإتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وإنتظارات المواطنين، كلها مؤشرات على أن هناك جزء مهم من المجتمع لم يعد يرى في الإنتخابات وسيلة كافية للتغيير. ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بالدعوة الأخلاقية إلى التصويت وحدها بل بإقناع المواطن بأن صوته مؤثر وأن المؤسسات قادرة على الإستجابة وأن المنتخب سيظل خاضعا للمساءلة بعد انتهاء الحملة الأنتخابية.
وتحتاج الحياة السياسية كذلك إلى تجديد عميق في وظيفة الأحزاب السياسية. فالحزب ليس آلة انتخابية ولا شبكة لتوزيع المواقع بل مدرسة للمواطنة، ومختبر للسياسات العمومية وفضاء لإختيار الكفاءات. كما أن تجديد النخب لا ينبغي أن يكون مجرد إستبدال وجوه بأخرى، بل تغيير في العقليات وأساليب العمل وإدماج حقيقي للشباب والنساء، وربط الترشح بالقدرة على الإنجاز لا بقوة النفوذ أو اتساع العلاقات.
إن الديمقراطية المغربية لن تتقدم بالإحتفال بمؤسساتها فقط بل بالنقد الصريح لأوجه قصورها. وهي لا تحتاج إلى خطابات مثالية بقدر حاجتها إلى ممارسة يومية تحترم المواطن، وتمنح للمعارضة معناها، وللبرلمان دوره الحقيقي وللصحافة إستقلالها وللقانون سلطته وللانتخابات نزاهتها. فالديمقراطية ليست محطة نصل إليها مرة واحدة وإنما هي مسار دائم من الإصلاح والمراجعة والتعلم.
وفي اليوم العالمي للديمقراطية لا يكفي أن نسأل ماذا أنجز المغرب منذ الإستقلال بل ينبغي أن نسأل ماذا بقي عالقا لم يتحقق؟ ولماذا ما تزال المشاركة محدودة؟ ولماذا لا تزال النخب تتكرر؟ وكيف يمكن تحويل الإنتخابات من موسم للوعود إلى تعاقد سياسي واضح بين الناخب والمنتخب؟
ختاما إن مستقبل التجربة المغربية سيتحدد بقدرتها على الإنتقال من ديمقراطية الإجراءات إلى ديمقراطية النتائج، أي من مجرد تنظيم الإنتخابات وتشكيل المؤسسات إلى ضمان أثر فعلي لهذه المؤسسات في حياة الناس. فحين يشعر المواطن بأن صوته يصنع الفرق وأن القانون يحميه، وأن المسؤول يحاسب وأن الكفاءة تتقدم على الولاءات تصبح الديمقراطية ثقافة راسخة لا مناسبة إنتخابية موسمية.
د/الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.




