سبتة المحتلة.. هدوء الرباط في مواجهة استفزازات مدريد

الدار/ إيمان العلوي
لم تكن زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل حملت رسائل سياسية ورمزية تتجاوز ظاهر المشاهد التي رافقتها، وتعيد إلى الواجهة إشكالية السيادة على الثغرين المغربيين المحتلين، في سياق إقليمي تتزايد فيه أهمية العلاقات بين الرباط ومدريد، وتتعاظم فيه الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية لملفات الماضي الاستعماري العالق.
وقد أثار حضور الملك الإسباني بمقبرة سيدي إمبارك الإسلامية، وما رافقه من مظاهر خشوع واستحضار للبعد الإنساني، تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين استحضار الذاكرة واحترام حرمة الموتى، وبين توظيف الرمزية الدينية والإنسانية في خدمة رسائل سياسية مرتبطة بمستقبل المدينة ووضعها القانوني والتاريخي.
ففي الوقت الذي تبدو فيه زيارة المقبرة، من الناحية الظاهرية، تعبيراً عن التضامن مع ضحايا المآسي الإنسانية، فإن سياقها السياسي يفرض قراءة أوسع لدلالاتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمدينة يظل وضعها موضع خلاف تاريخي وسياسي بين المغرب وإسبانيا، ولم تُطوَ بشأنها صفحة المطالب المغربية باستكمال وحدته الترابية.
وتبرز أولى الرسائل المحتملة لهذه الزيارة في بعدها الداخلي الإسباني، حيث يشكل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي، وتتعرض الحكومة والمؤسسات الإسبانية لضغوط متزايدة بشأن تدبير الحدود والتعامل مع المهاجرين والضحايا. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى استحضار المشاهد الإنسانية باعتباره محاولة لتعزيز صورة الدولة الحريصة على الكرامة الإنسانية، في مواجهة الانتقادات المرتبطة بسياسات الهجرة وتداعياتها.
غير أن الرهان على الصورة وحدها لا يكفي لحسم النقاش حول مسؤولية المؤسسات، ولا يعوض الحاجة إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات الحدودية، كما أن استثمار الرموز الإنسانية في التنافس السياسي الداخلي لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالتاريخ والحقوق والسيادة.
أما البعد الثاني، فيتصل بما تحمله مقبرة سيدي إمبارك من رمزية دينية وتاريخية، باعتبارها فضاءً إسلامياً يستدعي، قبل أي توظيف سياسي، احترام خصوصيته وحرمة الراقدين فيه. فحضور ممثلي ديانات مختلفة في مثل هذه المناسبة يمكن أن يُقرأ بوصفه رسالة للتعايش، لكنه قد يتحول، في المقابل، إلى عنصر في خطاب يراد منه تقديم سبتة باعتبارها نموذجاً للتعددية الثقافية والدينية تحت السيادة الإسبانية.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش: فالتعايش بين الأديان والثقافات قيمة إنسانية نبيلة لا خلاف حولها، لكنه لا يشكل في حد ذاته دليلاً على حسم النزاعات التاريخية أو إضفاء الشرعية النهائية على أوضاع سياسية متنازع بشأنها. كما أن إبراز التعددية الثقافية في مدينة ذات جذور مغربية عميقة لا يمكن أن يكون بديلاً عن مواجهة الأسئلة المرتبطة بذاكرتها وهويتها وموقعها في التاريخ المغربي.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن جوهر القضية لا يتعلق بالمظاهر الرمزية أو الخطابات الاحتفالية، بل بمبدأ استكمال الوحدة الترابية ومعالجة الملفات الموروثة عن المرحلة الاستعمارية وفق رؤية سياسية واضحة. فالمغرب، الذي راكم خلال السنوات الماضية حضوراً دبلوماسياً متزايداً، لا يحتاج إلى الانجرار وراء كل إشارة صادرة من الجانب الإسباني، بقدر ما يحتاج إلى مواصلة الدفاع عن مواقفه بأدوات دبلوماسية وقانونية وتاريخية، وبما يخدم مصالحه الاستراتيجية.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل تداول ادعاءات بشأن مواقف أمريكية أو تقارير مرتبطة بسبتة ومليلية، يجري تقديمها أحياناً باعتبارها مؤشراً على تحول في النظرة الدولية إلى وضع المدينتين. غير أن أي حديث عن تقارير صادرة عن الكونغرس الأمريكي أو عن تصنيف قانوني محدد يقتضي العودة إلى الوثائق الأصلية والتحقق من مضمونها، بدل بناء استنتاجات سياسية على تسريبات أو تأويلات غير مؤكدة.
ومهما كانت الحسابات التي أحاطت بزيارة فيليبي السادس، فإن الرسالة الأهم بالنسبة إلى المغرب تظل واضحة: لا يمكن للمراسم الرسمية، مهما بلغت رمزيتها، أن تنهي نقاشاً تاريخياً لم يُحسم، ولا أن تجعل الأمر الواقع بمنأى عن المساءلة السياسية والتاريخية. فالسيادة ليست مشهداً تلفزيونياً، والشرعية التاريخية لا تُصنع أمام عدسات الكاميرات، كما أن العلاقات الثنائية المتينة لا تعني إغلاق الملفات العالقة أو التنازل عن الحقوق الوطنية.
ومن هذا المنظور، فإن التعامل المغربي مع الزيارة لا ينبغي أن يُقاس بحدة التصريحات أو سرعة الردود، بل بمدى قدرة الدبلوماسية المغربية على حماية مصالح البلاد، وتجنب الانزلاق إلى سجالات ظرفية قد تخدم الحسابات الداخلية للطرف الآخر. فالهدوء الدبلوماسي، حين يستند إلى وضوح الموقف وثبات المبادئ، يمكن أن يشكل أداة استراتيجية فعالة، شرط ألا يُفهم باعتباره تخلياً عن المطالب أو قبولاً ضمنياً باستمرار الوضع القائم.
قد تنجح الزيارة في صناعة مشهد رمزي مؤثر داخل إسبانيا، لكنها لن تكون كافية لتجاوز الأسئلة التي تطرحها قضية سبتة المحتلة حول التاريخ والهوية والذاكرة والسيادة. فالمغرب لا يخوض معركته من أجل وحدته الترابية بمنطق الصور العابرة، وإنما برؤية طويلة النفس تستند إلى ثوابته الوطنية، وتوازن بين الدفاع عن الحقوق المشروعة والحفاظ على المصالح الاستراتيجية.
إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة أي طرف على تقديم روايته أمام الكاميرات، بل في الاستعداد لمواجهة الملفات التاريخية العالقة بواقعية وشجاعة سياسية، بعيداً عن محاولات تثبيت الأمر الواقع عبر الرمزية أو الخطاب العاطفي. فمهما تعددت المشاهد وتغيرت الرسائل، ستظل سبتة جزءاً من ملف الوحدة الترابية المغربية الذي لم يفقد حضوره في الذاكرة الوطنية ولا في النقاش السياسي بين الرباط ومدريد.




