Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

الجبهة الداخلية أولاً.. لماذا يحتاج المغرب إلى توافق وطني واسع في هذه المرحلة؟

الدار/ افتتاحية

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، وما يرافقها من تحديات جيوسياسية واقتصادية وأمنية، تبرز الحاجة في المغرب إلى نقاش وطني مسؤول حول سبل تعزيز الجبهة الداخلية، وتوحيد الجهود السياسية والمؤسساتية، بما يضمن حماية المصالح العليا للمملكة ومواصلة مسارها التنموي والاستراتيجي بثبات وثقة.

فالمغرب، الذي يواصل الدفاع عن وحدته الترابية وتثبيت مكانته كشريك إقليمي ودولي موثوق، يجد نفسه أمام محيط متقلب تتداخل فيه الحسابات الدولية والتنافسات الإقليمية، وتتعدد فيه مصادر الضغط والتحديات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التماسك الداخلي عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، وصيانة مكتسباتها، والتصدي لكل المحاولات التي قد تستهدف مصالحها الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، تطرح فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية نفسها باعتبارها خياراً سياسياً يستحق النقاش الجاد، ليس بهدف إلغاء التعددية أو تجاوز الاختلافات الحزبية، وإنما من أجل بناء أرضية مشتركة بين مختلف القوى الوطنية حول القضايا المصيرية التي تتقدمها الوحدة الترابية، والأمن الاستراتيجي، والسيادة الاقتصادية، وتعزيز الحضور المغربي في محيطه الإقليمي والدولي.

إن قوة الدول لا تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، بل كذلك بمدى قدرتها على توحيد صفوفها عندما تشتد التحديات. فحين تتعلق المسألة بالمصالح العليا للوطن، يصبح من الضروري أن تتقدم لغة الحوار والتوافق على الحسابات الحزبية الضيقة، وأن تتحول المنافسة السياسية إلى عامل لإغناء الاختيارات الوطنية، لا إلى مصدر لتبديد الطاقات أو تعميق الانقسامات.

وقد يتيح نموذج حكومة وحدة وطنية، إذا جرى التوافق عليه وفق قواعد ديمقراطية واضحة، جمع الكفاءات والخبرات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وتنسيق الجهود في الملفات الاستراتيجية الكبرى، مع وضع برنامج مشترك بأهداف محددة وآليات واضحة للتنفيذ والمحاسبة. كما يمكن أن يعزز الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويبعث برسالة مفادها أن المغرب، رغم اختلاف مكوناته وتعدد رؤاه، قادر على الالتقاء حول الثوابت الوطنية والمصالح المشتركة.

ولا يعني ذلك أن تشكيل حكومة موسعة أو جامعة هو الحل الوحيد الممكن، أو أن مجرد توسيع المشاركة السياسية كفيل بمعالجة جميع التحديات. فنجاح هذا الخيار يظل رهيناً بمدى وضوح برنامجه، وقدرته على تحقيق الانسجام في اتخاذ القرار، واحترامه لمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلاً عن ضمان فعالية المؤسسات واستمرار الإصلاحات التي ينتظرها المواطنون.

كما أن توحيد الجبهة الداخلية لا يتحقق بالاتفاق بين الأحزاب وحدها، بل يحتاج إلى ترسيخ الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والاستجابة لانشغالات المواطنين، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الشعور بأن الجميع معني بالدفاع عن مستقبل البلاد والمساهمة في بنائه. فالمناعة الوطنية تبدأ من الداخل، ومن قدرة الدولة على الجمع بين قوة مؤسساتها وعدالة سياساتها وفعالية قراراتها.

وفي القضايا المرتبطة بالوحدة الترابية والعلاقات الخارجية والأمن الاستراتيجي، يمكن للتوافق الوطني الواسع أن يمنح الدبلوماسية المغربية مزيداً من القوة والاستمرارية، ويحد من تأثير التجاذبات الداخلية على الملفات الحساسة. كما يتيح تعبئة مختلف الطاقات الوطنية، من أحزاب ونقابات وجامعات ومؤسسات اقتصادية ومجتمع مدني، للدفاع عن المصالح المغربية وتعزيز صورة المملكة كشريك مسؤول وفاعل في محيطه.

إن المرحلة الراهنة تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، تغليب منطق الدولة والمصلحة الوطنية على الحسابات الظرفية، وفتح نقاش سياسي مسؤول حول الصيغ الكفيلة بتعزيز التنسيق والتضامن الوطنيين. وقد تكون حكومة وحدة وطنية إحدى هذه الصيغ، شريطة أن تقوم على توافق حقيقي وبرنامج عملي، لا على مجرد توزيع للمناصب أو تسوية للتوازنات الحزبية.

فالمغرب في حاجة إلى وحدة في الأهداف، وانسجام في الأولويات، وتعبئة جماعية للطاقات، بقدر حاجته إلى مؤسسات قوية وتعددية سياسية مسؤولة. وفي عالم تتغير موازين القوة فيه بسرعة، تظل الجبهة الداخلية المتماسكة، القائمة على الثقة والعدالة والفعالية، من أهم عناصر حماية المكتسبات والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتقاصاً من التعددية الديمقراطية، بل باعتبارها مدخلاً لنقاش أوسع حول كيفية بناء توافق استراتيجي بين مختلف مكونات المشهد السياسي المغربي، بما يجعل الاختلاف مصدر قوة، والتنافس وسيلة لتجويد السياسات العمومية، والمصلحة العليا للمملكة بوصلة مشتركة في مواجهة كل التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى