حكومة المنصوري.. استثناءات كفؤة ووجوه معادة وأسئلة لا تحتمل التأجيل

الدار/ سارة الوكيلي
من استمرار الوجوه الوزارية نفسها إلى عودة أسماء من تجارب حكومية سابقة، وصولاً إلى صعود شخصيات من داخل التنظيمات الحزبية، تفتح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نقاشاً واسعاً حول المعايير التي حكمت توزيع الحقائب، ومدى حضور الكفاءة القطاعية في مواجهة حسابات التوازنات السياسية.
لم يكن المغاربة، وهم يتابعون الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ينتظرون مجرد تغيير في الأسماء أو إعادة ترتيب للمواقع داخل الخريطة الحزبية للأغلبية. كانت الانتظارات أكبر من ذلك بكثير، خصوصاً في مرحلة تتعاظم فيها المطالب الاجتماعية، ويظل فيها التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية في صدارة انشغالات المواطنين.
وبينما حملت التشكيلة الجديدة بعض التغييرات في توزيع المسؤوليات، فإنها أعادت، في المقابل، إنتاج سؤال قديم يتجدد مع كل استحقاق حكومي: هل تُختار الشخصيات التي تتولى تدبير القطاعات بناءً على ما تمتلكه من خبرة وكفاءة وقدرة على الإنجاز، أم أن الانتماء الحزبي وموازين التفاوض بين مكونات الأغلبية يظلان المحدد الأبرز في رسم الخريطة الوزارية؟
في قراءة أولية للتشكيلة المعلنة يوم 16 أكتوبر 2026، يبرز استمرار أسماء راكمت تجربة في تدبير ملفات استراتيجية، من بينها ناصر بوريطة في وزارة الشؤون الخارجية، وعبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية، وفوزي لقجع الذي انتقل إلى قيادة وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية. وهي أسماء ارتبط حضورها في المشهد الحكومي بملفات تتطلب خبرة مؤسساتية ومعرفة دقيقة بتفاصيل الإدارة والتفاوض والتدبير.
غير أن وجود هذه الأسماء لا يعفي بقية التشكيلة من الخضوع للمعيار نفسه، ولا ينبغي أن يتحول الاحتفاظ ببعض المسؤولين إلى غطاء يحجب الأسئلة المتعلقة بباقي الاختيارات. فالحكومة ليست مجموعة من الحقائب المنفصلة، بل فريق يفترض أن يشتغل برؤية منسجمة، وأن يكون أعضاؤه قادرين على تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة.
المسألة، إذن، ليست في استمرار وزير أو تغيير آخر، وإنما في طبيعة المعايير التي تفسر هذا الاستمرار أو ذاك التغيير. فحين يُعاد إسناد المسؤوليات إلى وجوه سبق لها الاشتغال داخل الحكومات، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت التجربة المتراكمة ستُترجم إلى أداء أفضل، أم أن إعادة تدوير الأسماء ستظل بديلاً عن تجديد النخب وضخ كفاءات جديدة في دواليب القرار.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة التجربة أو المطالبة بالتغيير لمجرد التغيير؛ فالمسؤولية الحكومية ليست مجالاً للتجريب المستمر، وبعض الملفات تحتاج بالفعل إلى الاستمرارية. لكن الاستمرارية لا تكون فضيلة في حد ذاتها إلا إذا اقترنت بالمحاسبة وتقييم النتائج والقدرة على تصحيح الاختلالات. أما أن تتحول المناصب الوزارية إلى مواقع شبه دائمة تتناوب عليها الأسماء نفسها، فذلك يضعف الإحساس بالتجديد ويطرح سؤال تكافؤ الفرص أمام كفاءات أخرى خارج الدائرة التقليدية للاستوزار.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية التي شاركت في تشكيل الأغلبية. فهذه التنظيمات لا تدخل المفاوضات الحكومية لتوزيع المقاعد والحقائب فحسب، بل يفترض أن تقدم أيضاً أفضل ما لديها من أطر وخبرات قادرة على تدبير القطاعات الحيوية. غير أن المشهد يوحي بأن الاعتبارات المرتبطة بالتمثيل الحزبي والتوازنات الداخلية تظل حاضرة بقوة، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود التوفيق بين الاستحقاق السياسي والاستحقاق المهني.
فهل استنفدت الأحزاب فعلاً رصيدها من الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية الحكومية؟ وهل أصبح الاستوزار امتداداً للمواقع التنظيمية والتمثيلية داخل الأحزاب، بدل أن يكون تتويجاً لمسار مهني أو مؤسساتي يؤهل صاحبه لتدبير قطاع بعينه؟ أم أن الكفاءات موجودة، لكن قنوات الوصول إلى مواقع القرار لا تمنحها الفرصة الكافية؟
إنها أسئلة لا تستهدف أشخاصاً بعينهم بقدر ما تختبر جدية المنظومة الحزبية في تجديد نفسها. فالمغرب يتوفر على أطر وخبرات في مجالات الاقتصاد والمالية والعلوم والتكنولوجيا والصحة والتعليم والإدارة، داخل المؤسسات العمومية والجامعات والمقاولات ومراكز البحث. ولذلك، فإن اختزال الاختيارات الحكومية في الأسماء المتداولة داخل الدوائر الحزبية يثير نقاشاً مشروعاً حول مدى انفتاح عملية الاستوزار على الكفاءات التي تمتلك خبرة تخصصية وقدرة على الابتكار والتدبير.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بقطاعات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين. فوزارة الصحة لا تحتاج فقط إلى اسم يحمل صفة الوزير، بل إلى رؤية واضحة لإصلاح المنظومة الصحية وتحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية. وقطاع التعليم يحتاج إلى قيادة قادرة على معالجة أزمة الجودة والهدر المدرسي وتعزيز تكافؤ الفرص. أما التشغيل، فيتطلب سياسات عملية لخلق فرص الشغل وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد، وليس الاكتفاء بالوعود والبرامج العامة.
وفي قطاعات أخرى، مثل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة والاستثمار، تصبح الخبرة المتخصصة والقدرة على استشراف المستقبل أكثر إلحاحاً. فهذه المجالات تتطور بوتيرة متسارعة، ولا يكفي تدبيرها بالمنطق الإداري التقليدي، بل تحتاج إلى كفاءات تجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على اتخاذ القرار والتنسيق بين المؤسسات.
أما بخصوص الشخصيات التي تثار حولها تساؤلات أو انتقادات في النقاش العام، فإن المسؤولية الصحفية تقتضي التمييز بين الاعتراض على الاختيار السياسي وبين وجود وقائع مثبتة تستدعي المساءلة. فلا يجوز تحويل علامات الاستفهام إلى أحكام مسبقة، لكن لا يجوز، في المقابل، اعتبار التعيين الحكومي نهاية للنقاش حول المؤهلات والتجربة والقدرة على تحمل المسؤولية. فكل وزير، أياً كان اسمه أو انتماؤه، مطالب بتقديم ما يبرر الثقة التي مُنحت له من خلال عمل قابل للتقييم والمحاسبة.
وتجد رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها، في هذا السياق، أمام اختبار يتجاوز تدبير التوازنات بين مكونات الأغلبية. فقيادة الحكومة لا تُقاس فقط بالقدرة على الحفاظ على الانسجام السياسي، بل أيضاً بمدى القدرة على فرض منطق النتائج، وتحديد المسؤوليات بوضوح، وربط أداء الوزراء بأهداف قابلة للقياس، بعيداً عن منطق الحماية الحزبية أو تبادل المجاملات السياسية.
وإذا كانت الأحزاب قد تفاوضت على الحقائب وفق حسابات الأغلبية والتمثيل، فإن المواطنين سيحاكمون الحكومة بمعايير مختلفة تماماً: هل تحسنت الخدمات الصحية؟ هل أصبح التعليم أكثر جودة؟ هل تراجعت البطالة؟ هل توسعت فرص الاستثمار؟ وهل انعكس الخطاب الحكومي على معيشة الأسر، أم ستظل الوعود أكبر من الحصيلة؟
لا تكمن المشكلة في أن تضم الحكومة وزراء سبق لهم تحمل المسؤولية، ولا في أن تأتي أسماء جديدة من داخل الأحزاب؛ فالمعيار الحقيقي هو ما يستطيع كل مسؤول تقديمه من قيمة مضافة. لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن مدى حضور الكفاءة في صناعة القرار، وعن الأسباب التي جعلت بعض الأسماء تحظى بثقة متجددة، فيما بقيت كفاءات أخرى خارج دائرة الاختيار.
إن التحدي الحقيقي أمام حكومة المنصوري ليس إثبات أن لديها أغلبية سياسية فحسب، بل إقناع المغاربة بأن هذه الأغلبية قادرة على إنتاج حكومة تستحق ثقتهم. فبين منطق اقتسام الحقائب ومنطق استحقاق المسؤولية مسافة لا يمكن ردمها بالخطاب، وإنما بالإنجاز. وحين تصبح النتائج هي المعيار الأول، سيتراجع الجدل حول الأسماء تلقائياً؛ أما إذا تأخر الأداء، فستظل الأسئلة معلقة: أين الكفاءات؟ وما الذي يجعل الاستوزار فرصة متاحة للبعض أكثر من غيرهم…




