حكومة المنصوري وانتظارات المغاربة.. رهانات كبرى بأسماء كان يُنتظر أن تكون أكثر وزناً

الدار/ مريم حفياني
لم يكن المغاربة ينتظرون مجرد حكومة جديدة بأسماء مألوفة وحقائب يعاد توزيعها، بل كانوا يتطلعون إلى فريق حكومي استثنائي في كفاءاته وخبراته، قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي يعيشها المغرب، والاستعداد لاستحقاقات تاريخية تمتد من تنظيم كأس العالم 2030 إلى تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، مروراً بمعركة التشغيل ومواجهة غلاء المعيشة.
في اللحظات السياسية الفاصلة، لا تُقاس أهمية الحكومات بعدد الوزراء الذين تضمهم، ولا بالتوازنات الحزبية التي أفرزتها، وإنما بحجم الطموحات التي يُنتظر منها تحقيقها، وبقدرتها على تقديم أجوبة عملية عن الأسئلة التي تؤرق المجتمع. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مدعوة إلى أكثر من مجرد تدبير الشأن اليومي؛ إنها مطالبة بإقناع المغاربة بأنها على مستوى مرحلة استثنائية في تاريخ البلاد.
لقد كانت الانتظارات واسعة، وربما أكبر من مجرد تغيير في المواقع وتدوير لبعض الوجوه التي سبق لها تحمل المسؤولية الحكومية. فالمغرب الذي يستعد لاحتضان كأس العالم 2030، ويواصل الدفاع عن وحدته الترابية وتعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، ويواجه في الوقت نفسه تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، يحتاج إلى فريق حكومي تتوافر فيه الخبرة السياسية والنجاعة التدبيرية والقدرة على ابتكار الحلول، لا إلى تشكيلة تُقرأ بالأساس من خلال حصص الأحزاب وحسابات التوازنات بينها.
صحيح أن بعض المسؤوليات تقتضي الاستمرارية، وأن التجربة المتراكمة يمكن أن تشكل قيمة مضافة حين تقترن بالنتائج والمحاسبة. كما أن استمرار أسماء مثل ناصر بوريطة وعبد الوافي لفتيت وفوزي لقجع يعيد إلى النقاش أهمية الخبرة في إدارة الملفات الاستراتيجية والمالية والمؤسساتية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان ممكناً الذهاب أبعد من ذلك، عبر استقطاب أسماء أكثر وزناً في مجالات تخصصها، وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على إحداث نقلة نوعية في تدبير القطاعات الحكومية؟
فالتحديات المطروحة لا تسمح بالاكتفاء بمنطق الاستمرارية وحده. كأس العالم 2030 ليس مجرد تظاهرة رياضية تتطلب بناء الملاعب وتجهيز البنيات التحتية؛ إنه مشروع وطني متعدد الأبعاد، يرتبط بالنقل والصحة والأمن والسياحة والتكوين والتشغيل والاستثمار، وبقدرة المؤسسات على التنسيق والعمل وفق رؤية موحدة. والرهان الحقيقي ليس في أن يظهر المغرب في صورة تنظيمية مشرّفة فحسب، بل في أن تتحول هذه المحطة إلى فرصة اقتصادية واجتماعية تخلق فرص الشغل، وتحسن جودة الخدمات، وتترك إرثاً تنموياً يستفيد منه المواطن بعد انتهاء المنافسات.
مثل هذا الورش يحتاج إلى وزراء يمتلكون القدرة على التخطيط بعيد المدى، وتعبئة الاستثمارات، وتجاوز البيروقراطية، وضمان التنسيق بين القطاعات. كما يحتاج إلى مؤشرات واضحة لقياس التقدم، وإلى محاسبة المسؤولين عن التأخر أو تعثر المشاريع. فالمواعيد الدولية الكبرى لا تنتظر بطء الإدارة، ولا تعوضها كثرة التصريحات والوعود.
أما على المستوى الوطني، فإن قضية الصحراء المغربية تدخل مرحلة تتطلب تعبئة دبلوماسية وتنموية متكاملة، خصوصاً في ظل تنامي النقاش الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للحل السياسي. وإذا كانت الدبلوماسية تضطلع بدور أساسي في الدفاع عن الموقف المغربي، فإن ترسيخ هذا المسار يقتضي أيضاً مواصلة التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز الاستثمار وفرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، بما يجعل النموذج التنموي بالصحراء المغربية رافعة إضافية لدعم الموقف الوطني.
ومن هنا، فإن تنزيل الحكم الذاتي، متى تبلورت شروطه ومراحله المؤسساتية، يطرح بدوره أسئلة تتعلق بالكفاءات الإدارية والقانونية والاقتصادية القادرة على مواكبة متطلبات التدبير والحكامة والتنمية. إنها مسؤولية تتجاوز حدود وزارة أو قطاع واحد، وتستدعي رؤية حكومية منسجمة، تستحضر الأبعاد السياسية والمؤسساتية والتنموية لهذا الورش الاستراتيجي.
لكن كل هذه الرهانات ستظل ناقصة الأثر إذا لم تنعكس على حياة المواطنين اليومية. فالمغربي الذي يواجه صعوبة في الحصول على عمل، والأسرة التي ترهقها تكاليف الغذاء والسكن والنقل، والشاب الذي يبحث عن أفق مهني واضح، لا تكفيه المؤشرات الاقتصادية العامة ولا الوعود المرتبطة بالمشاريع الكبرى. إنه يريد أن يرى تحسناً ملموساً في قدرته الشرائية، وفرصاً حقيقية للاندماج في سوق الشغل، وخدمات صحية وتعليمية تحفظ كرامته وتمنحه الثقة في المستقبل.
وهنا تحديداً يكمن الامتحان الأصعب أمام حكومة المنصوري. فمواجهة البطالة لا تتحقق بتكرار البرامج نفسها، وإنما بسياسات أكثر ارتباطاً بحاجيات الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتطوير التكوين المهني، وتوسيع فرص الشغل أمام الشباب والنساء. كما أن معالجة غلاء المعيشة لا ينبغي أن تظل رهينة التصريحات الظرفية، بل تحتاج إلى متابعة دقيقة للأسعار وهوامش التوزيع والمنافسة، وإلى إجراءات تحمي الفئات الهشة والمتوسطة من تآكل قدرتها الشرائية.
ومن المشروع، في هذا السياق، أن يتساءل المغاربة عما إذا كانت التشكيلة الحكومية الجديدة تعكس فعلاً حجم هذه التحديات. وهل جرى اختيار الوزراء على أساس ما يمتلكونه من مؤهلات وخبرات وقدرة على تحقيق النتائج، أم أن الاعتبارات الحزبية والتوازنات التنظيمية كان لها حضور وازن في تحديد الأسماء والحقائب؟ وهل استُنفدت بالفعل إمكانات الأحزاب من الأطر القادرة على تحمل المسؤولية، أم أن المجال ما زال مفتوحاً أمام كفاءات وطنية لم تجد طريقها إلى مواقع القرار؟
هذه الأسئلة ليست اعتراضاً على حق الأحزاب في المشاركة في تشكيل الحكومة، ولا إنكاراً لدور التمثيلية السياسية في النظام الديمقراطي؛ بل هي دعوة إلى الارتقاء بالممارسة الحزبية نفسها، حتى تصبح المشاركة في السلطة مسؤولية مرتبطة بالكفاءة والإنجاز، لا مجرد استحقاق تنظيمي أو مكافأة على الموقع داخل الحزب. فالحكومة ليست امتداداً للمكاتب السياسية، والوزارة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما موقع لخدمة المواطنين وتنفيذ السياسات العمومية.
كما أن حجم التحديات الراهنة كان يبرر، في نظر كثيرين، تطلعاً إلى تشكيلة أكثر جرأة في استقطاب الخبرات، وأكثر انفتاحاً على الكفاءات القادمة من مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والبحث العلمي والتدبير العمومي. فالمغرب لا تنقصه الأطر المؤهلة، لكن السؤال يتعلق بمدى قدرة آليات الاختيار السياسي على اكتشاف هذه الكفاءات ومنحها فرصة المساهمة في صناعة القرار.
ولا يمكن تحميل رئيسة الحكومة وحدها مسؤولية كل الاختيارات، بالنظر إلى طبيعة التفاوض بين مكونات الأغلبية وآليات تشكيل الحكومات. غير أن فاطمة الزهراء المنصوري ستظل مطالبة بإثبات قدرتها على تحويل التوازنات السياسية إلى فريق متجانس، وعلى جعل معيار الأداء فوق الحسابات الضيقة، بما يضمن أن تكون الأولوية للبرامج والنتائج، لا للاعتبارات المرتبطة بتوزيع النفوذ داخل الأغلبية.
إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى حكومة تكتفي بتدبير الزمن السياسي، بل إلى حكومة تستبق الاستحقاقات وتستعد لها. حكومة تجعل من 2030 موعداً لتحديث الاقتصاد والخدمات، ومن تنمية الصحراء المغربية دعامة إضافية لترسيخ الوحدة الترابية، ومن التشغيل والقدرة الشرائية معيارين أساسيين للحكم على نجاح السياسات العمومية.
لقد انتظر المغاربة حكومة بحجم الرهانات، وبكفاءات تتناسب مع ثقل المرحلة، وأسماء قادرة على منح الثقة في المستقبل. أما اليوم، فإن التشكيلة المعلنة مطالبة بأن تجيب عن هذه الانتظارات بالفعل، لا بالخطاب، وأن تثبت أن قيمة الحكومة لا تُقاس بالأسماء التي تجلس حول طاولتها، بل بما تستطيع تغييره في حياة الناس.
لن يحاسب المغاربة حكومة المنصوري على الطريقة التي وُزعت بها الحقائب فقط، بل على ما ستقدمه من حلول للبطالة وغلاء الأسعار، وما ستحققه من تقدم في المشاريع الاستراتيجية، وما ستتركه من أثر في مسار المغرب نحو 2030. وبين طموح الدولة وانتظارات المجتمع، تظل الكفاءة والإنجاز والمحاسبة هي المعايير التي ستحدد قيمة هذه التجربة الحكومية.




