ما مصير النظام الجزائري بعد تسوية نزاع الصحراء؟
ما مصير النظام الجزائري بعد تسوية نزاع الصحراء؟

بقلم: د. سعيد عفيف
من الواضح أن منطقة المغرب العربي تمرّ بمرحلة دقيقة من تاريخها. هناك متغيّرات أمنية وجيوستراتيجية كبيرة، من المتوقع أن تؤدي إلى تغيير خارطة التوازنات السياسية في هذا الإقليم. وهذه المتغيرات جزء من خطة تأسيس النظام العالمي الجديد التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ فترة. استهلها بتغيير النظام في فينزويلا، ثم السعي وراء الحصول على جزيرة غرونلاند وتسيير الأسطول العسكري نحو إيران استعدادا لضربها وتغيير نظامها.
لكن هناك محطات أخرى تشهد تغييرات أقلّ عنفا ومنها منطقة المغرب العربي. في إطار حرص الولايات المتحدة الأميركية على تعزيز مواقع حلفائها الاستراتيجيين فإنها ترعى اليوم بحزم وحماس كبيرين المفاوضات الجارية لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. نجاح الولايات المتحدة الأميركية في هذا الملف سينضاف إلى ملفات أخرى تم حلها على غرار ملف الكونغو ورواندا. وسيعزز موقع الرئيس دونالد ترامب دوليا في إطار جهوده لإعادة بناء النظام العالمي الجديد بعيدا عن بيروقراطية الأمم المتحدة وتعثّراتها التي لا تنتهي.
النجاح في حلحلة ملف الصحراء المغربية سيكون بالتأكيد في صالح المغرب وسكان الأقاليم الجنوبية، وسيُدخل بلادنا في مرحلة سياسية وتنموية جديدة قد تمثل فرصة هائلة لمضاعفة الجهود المبذولة من أجل بناء دولة متقدمة توفر لشعبها الرخاء والاستقرار.
لكن في المقابل فإن هذا النجاح سيكون وبالا على النظام الحاكم في الجزائر. نهاية النزاع المفتعل حول الصحراء يعني نهاية الشماعة التي يعلق عليها هذا النظام نزوعه الدائم نحو عسكرة مؤسسات الدولة، وتدخّل الجنرالات في كل تفاصيل حياة الجزائريين بدء من التموين وحتى رسم السياسات الاقتصادية الكبرى. جنرالات الجزائر يخشون خسارة ورقة الصحراء المغربية والصراع المفتعل مع المغرب لأنهم يعلمون أن ساعة المحاسبة قد حلّت.
ماذا سيقول هؤلاء للشعب الجزائري بعد أن أنفقوا مليارات الدولارات على وهم الدويلة المزعومة ثم فشلوا في تحقيق هذا الوهم؟ من سيعوض ثروات الشعب الجزائري المهدورة بينما يتعرض كل لمهانة طوابير التموين وأزمات الماء والغاز وقطع الغيار وأبسط احتياجات الحياة اليومية؟ هذا هو سبب تشبّث نظام العسكر بوهم تشجيع الانفصال في المغرب حتى آخر رمق، لأنه يمثل إكسير حياة هذا النظام القائم على إيديولوجيات أكل عليها الدهر وشرب، ولم تعد تُقنع أفراد الشعب الجزائري.
لن أبالغ إذا قلت إن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية وعودة المحتجزين في مخيمات تندوف، والتحاق قادة الجبهة الانفصالية بوطنهم سيمثل رصاصة الرحمة التي ستُطلق على نظام العسكر في الجزائر. هناك سيناريوهان فقط يمكن أن ينقذا هذا النظام ويضمنان له الاستمرار وله لفترة انتقالية:
1- السيناريو الأول: فشل الرعاية الأميركية والمفاضات الجارية الحالية، واستمرار الوضع القائم وبقاء الحال على ما هو عليه. وهذا السيناريو هو الأمنية الغالية للنظام الجزائري. استمرار النزاع المفتعل دون حلّ يعني استمرار النظام العسكري في نهب مقدّرات الجزائر وترويج فزاعة العدو الخارجي لتبرير البقاء على رأس دولة متهالكة ومتخلفة تسير قُدما نحو الاصطدام بالواقع والتاريخ.
2- السيناريو الثاني: هو نجاح المفاوضات والتوصل إلى حل ينهي الأزمة، لكن مع إطلاق مسلسل موازٍ لتطبيع العلاقات تدريجيا مع المغرب، بما يعنيه ذلك من فرص حقيقية للتعاون الاقتصادي والتجاري على نحو يساعد البلدين على تطوير بنياتهما وتجاوز أزماتهما الداخلية على كافة الأصعدة، ثم إحياء مشروع اتحاد المغرب العربي والسير الحثيث في تفعيل مؤسساته وآلياته التكاملية.
هاتان فقط هما الحالتان اللتان يمكن أن تضمنا للنظام الجزائري العجوز البقاء والاستمرار ولو مرحليا إذا تمّ إنهاء نزاع الصحراء في إطار مفاوضات مدريد. في حالة السيناريو الثالث المرجّح في نظري، وهو إنهاء النزاع وإطلاق مشروع الحكم الذاتي، لكن مع إصرار الجزائر على القطيعة مع المغرب، فإن الهزيمة الجزائرية ستتحول بالتأكيد إلى نكسة داخلية كبيرة ستكون لها لا محالة تداعيات خطيرة على الاستقرار وتماسك البلاد. ولن يكون بمقدور النظام الجزائري هذه المرة إطلاق صرخة المظلومية “حكرونا حكرونا” كما حدث في الماضي.
اليوم لا يستطيع النظام الجزائري أن يدعي التعرض إلى الظلم لأنه يقدّم نفسه باعتباره قوة ضاربة في المنطقة، ودولة لا يستطيع أحد إهانتها أو هزمها أو تمريغ كرامتها في التراب. وهذا يظهر حجم الرعب الذي يعيشه قادة يعيشه قادة النظام الجزائري هذه الأيام، بسبب مخاوفهم الشديدة من خسارة الشمّاعة.




