التكوين القيادي العسكري لولي العهد و تكامل الرؤية الملكية .

برز تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس لولي العهد الأمير مولاي الحسن منسق لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، كإعلان مؤسساتي عن مرحلة جديدة في هندسة التأهيل السيادي وتدبير الإستمرارية داخل الدولة المغربية. إن هذا الإختيار ينهل شرعيته ومنطقه من التاريخ العسكري للدولة العلوية، حيث ظل الجيش النواة الصلبة للدولة فهو ضامن أمنها وإستقرارها وموحد للأمة، فمنذ تأسيس القوات المسلحة الملكية في 14 ماي 1956 على يد الملك محمد الخامس طيب الله تراه، والمؤسسة العسكرية تلعب دور المختبر الأول لصناعة القادة ورجال الدولة. كما أن الإشارة في منطوق البلاغ إلى سنة 1985، حين عين الملك الحسن الثاني طيب الله تراه ولي عهده آنذاك الملك محمد السادس نصره الله وأيده في المنصب ذاته، ليس مجرد استحضار للذاكرة بل هو تكريس لـمنهج تكوين ملكي صارم لمؤسسة ولي العهد .فالمغرب الذي لا يقدم ولي عهده للمجال العمومي عبر الرمزية الخطابية فحسب، بل عبر التدرج المؤسساتي في قلب مراكز القرار السيادي. فمنصب المنسق للقوات المسلحة الملكية يحمل دلالة سياسية عميقة فهو يتيح لولي العهد مولاي الحسن التماس اليومي مع النبض الحي للمؤسسة الأكثر انضباط، كما يمنحه فهم آليات الدولة في أقصى درجات جديتها الصارمة ، بعيدا عن فضاءات المجاملة والبرتوكول حيث يتم التكوين وسط الملفات الإستراتيجية والمساطر الدقيقة التي تدير الأمن القومي المغربي .
و بالرجوع الى التاريخ فقد إرتبطت قوة الدولة المغربية بمدى تلاحم العرش مع القوات المسلحة، فمن محطة التأسيس وبناء الأركان العامة إلى معارك إستكمال الوحدة الترابية وبناء الجدار الرملي الدفاعي، وصولا إلى عهد الملك محمد السادس نصره الله
الذي عرف طفرة تكنولوجية وتنظيمية مهمة في كل الميادين، ظلت معها المؤسسة العسكرية الحارس الأمين للثوابت الوطنية . واليوم يأتي هذا التعيين في سياق إقليمي ودولي يتسم بـالتغيرات الأمنية العالمية وتصاعد التهديدات الإقليمية خاصة في منطقة الساحل والصحراء، مما يفرض على ولي العهد أن يكون في قلب هذه التحولات ليس فقط كمراقب لها، بل كجزء من منظومة التنسيق التي تدير علاقات المغرب الدفاعية الجديدة وإتفاقات الشراكة الإستراتيجية التي جعلت من المملكة قوة إقليمية ودولية صاعدة .
إن هذا الانتقال الهادئ نحو مأسسة أدوار ولي العهد يعكس فلسفة النظام الملكي المغربي في تدبير الزمن السياسي عبر البناء ببطئ وثبات لضمان الإستقرار المستدام. فالدولة المغربية التي أثبتت تفوقها العسكري والأمني من الناحيتين الميدانية والإستخباراتية، ترسل عبر هذا التعيين رسالة مزدوجة للداخل بأن مسار الإستمرارية المؤسساتية يسير وفق رؤية واضحة ومجربة، وللخارج بأن المغرب يمتلك مؤسسات سيادية راسخة تتوارث الخبرة والمنهج وتعد قادتها في مدرسة الميدان التي تزاوج بين التقاليد العريقة للملكية والرهانات الجيوسياسية المعاصرة. هكذا يظهر الأمير مولاي الحسن كفاعل في الدولة العميقة بمعناها النبيل، أي الدولة التي تبني مستقبلها من داخل مراكز قوتها وصلابتها مؤكدة أن الريادة المغربية في المنطقة هي ثمرة تكوين سيادي مستمر يضع أمن المملكة وإستقرارها فوق كل اعتبار.
إن وضع ولي العهد في قلب الشرايين الحيوية للمؤسسة العسكرية، وفي منصب التنسيق الذي يربط بين العمليات واللوجستيك والإستخبارات، يعكس رؤية إستشرافية تدرك تعقيدات التحديات الأمنية المعاصرة من الأمن السيبراني و تكنولوجيا الدفاع الحديثة، هذا التكوين المتدرج يضمن أن تكون القيادة المستقبلية مدركة لمنطق الدولة من الداخل، وممتلكة لأدوات اتخاذ القرار في سياقات تتسم بالسرعة والإضطراب العالمي، مما يعزز إستقرار الرؤية الدفاعية للمملكة على المدى البعيد ويجعل من عملية صناعة القرار العسكري عملية مرنة ومستدامة.
ختاما، المسار التكاملي لمؤسسة ولي العهد ليس بغريب على مدرسة الحكم العلوية، بل هو إستمرار لرسالة تاريخية تتناقلها الأجيال، رسالة تستلهم روح الوفاء بالعهد في سياسة الأمة فكما جسدت الرسالة التي وجهها الملك الراحل الحسن الثاني لوالده الملك محمد الخامس عام 1957 معالم هذا الدرب يقتفي اليوم الأمير مولاي الحسن أثر أجداده بعزم حديث. فبينما كان “الملوك ينجبون الملوك” في منطق الوراثة التقليدي، فإن المؤسسة الملكية اليوم تصنع القادة بمنطق الكفاءة والجاهزية، مؤكدة أن قوة المغرب تكمن في قدرته الفريدة على الحفاظ على ثبات مبادئه وسط محيط عالمي متحول، ليبقى العرش العلوي المجيد المحرك الأول والوحيد للإستقرار والبناء الإستراتيجي لمستقبل المغرب .
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي




