Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوسرياضة

من “معجزة قطر” إلى ملحمة مونتيري.. المغرب بين كبار العالم

الدار/ مريم حفياني

عندما بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم في قطر عام 2022، اعتبر كثيرون أن ما حققه كان استثناءً تاريخياً يصعب تكراره، وأن الظروف الاستثنائية لذلك الجيل صنعت إنجازاً لن يتكرر قريباً. لكن ما يحدث في مونديال 2026 يثبت أن الكرة المغربية دخلت مرحلة مختلفة تماماً، وأن المنتخب الوطني لم يعد يعيش على أمجاد الماضي، بل يواصل صناعة تاريخ جديد عنوانه الاستمرارية والقدرة على منافسة أقوى مدارس كرة القدم في العالم.

انتصار “أسود الأطلس” على هولندا بركلات الترجيح (3-2)، بعد مباراة انتهت بالتعادل (1-1)، لا يمكن اختزاله في مجرد بطاقة عبور إلى دور ثمن النهائي، لأن قيمة هذا الفوز تتجاوز حدود النتيجة. فالمنتخب المغربي نجح في إقصاء أحد أكثر المنتخبات الأوروبية خبرة وتاريخاً، وصاحب ثلاث مشاركات في نهائي كأس العالم، ليؤكد أن الفجوة التي كانت تفصل الكرة المغربية عن كبار العالم قبل سنوات لم تعد موجودة كما كانت.

ولعل أكثر ما ميز هذا الانتصار هو أن المغرب لم يدخل المباراة بعقلية المنتخب الذي يخشى اسماً كبيراً أو ينتظر هفوة من منافسه، بل لعب بثقة واضحة، وفرض شخصيته على فترات طويلة من اللقاء، وأظهر نضجاً تكتيكياً يعكس حجم التطور الذي عرفه المنتخب خلال السنوات الأخيرة. فقد نجح اللاعبون في التحكم في نسق المباراة، وأحسنوا الانتقال بين الدفاع والهجوم، كما تعاملوا مع الضغط النفسي للمباراة الإقصائية ببرودة أعصاب تحسب عادة للمنتخبات صاحبة الخبرة الطويلة في البطولات الكبرى.

ولم يكن تألق الحارس ياسين بونو في ركلات الترجيح سوى امتداد لصورة منتخب كامل أصبح يعرف كيف يدير المباريات الكبيرة، وكيف يحول اللحظات الصعبة إلى مصدر قوة. فمنذ مونديال قطر، اكتسب هذا الجيل شخصية تنافسية مختلفة، جعلته أكثر قدرة على التعامل مع تفاصيل المواجهات الحاسمة، وهو ما ظهر بوضوح أمام منتخب هولندا الذي وجد نفسه عاجزاً عن فرض أفضليته رغم امتلاكه أسماء تنشط في أكبر الأندية الأوروبية.

الإعلام الدولي لم ينظر إلى النتيجة باعتبارها مفاجأة بقدر ما اعتبرها امتداداً للمكانة الجديدة التي بات يحتلها المغرب في كرة القدم العالمية. فقد أكدت وكالة “رويترز” أن المنتخب المغربي كان الأكثر إقناعاً من حيث الأداء وصناعة الفرص، ونقلت عن المدرب محمد أوعبي قوله إن العالم أصبح ينظر إلى المغرب باحترام مختلف، وإن المنتخبات الكبرى لم تعد تواجه “أسود الأطلس” بالثقة نفسها التي كانت تتمتع بها في السابق، بل أصبحت تدرك أنها أمام منافس قادر على إقصائها في أي لحظة.

أما صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، فرأت أن المنتخب المغربي نجح في فرض إيقاعه على المباراة، في وقت تعرض فيه المدرب الهولندي رونالد كومان لانتقادات واسعة بسبب خياراته التكتيكية، بعدما بدا المنتخب الهولندي أقل جرأة أمام منافس لم يعد يكتفي بالدفاع، بل يبحث عن الفوز مهما كان اسم الخصم.

وفي هولندا، جاءت الصحافة أكثر صراحة في توصيفها لما حدث، إذ تحدثت عن خروج مؤلم أمام منتخب عرف كيف يقرأ المباراة، واستحق التأهل بفضل انضباطه وتنظيمه وشخصيته القوية، بينما اعتبرت أن المغرب أصبح اليوم من بين المنتخبات التي يصعب تجاوزها في البطولات الكبرى.

ولا يمكن فصل هذا النجاح عن التحول العميق الذي شهدته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير. فالنتائج الحالية ليست وليدة جيل موهوب فقط، وإنما ثمرة استثمارات كبيرة في التكوين والبنية التحتية، وتطوير مراكز إعداد اللاعبين، والاستقرار الإداري والتقني، وهي عناصر جعلت المنتخب الوطني يحافظ على مستواه التنافسي بعد إنجاز قطر، بدلاً من أن يتراجع كما حدث مع منتخبات أخرى صنعت إنجازاً عابراً ثم اختفت.

كما أن هذا الفوز يعكس تحولاً في العقلية داخل المنتخب المغربي. فبعد سنوات كان الوصول إلى الأدوار الإقصائية يعد إنجازاً في حد ذاته، أصبح الطموح اليوم هو الذهاب بعيداً في البطولة وإقصاء كبار المنتخبات دون عقدة أو رهبة. وهذه الثقة هي ربما أكبر مكسب حققته الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة، لأنها غيرت نظرة اللاعبين إلى أنفسهم قبل أن تغير نظرة العالم إليهم.

ومع اقتراب مواجهة كندا في دور ثمن النهائي، يدخل المنتخب المغربي المباراة محملاً بثقة جماهيره واحترام منافسيه، بعدما أثبت مرة أخرى أن وجوده بين كبار العالم لم يعد مرتبطاً بظرف استثنائي أو جيل ذهبي عابر، بل أصبح نتاج مشروع رياضي متكامل يواصل ترسيخ مكانة المغرب بين القوى الكروية الصاعدة، ويؤكد أن ما بدأ في الدوحة لم يكن نهاية الحكاية، بل كان الفصل الأول فقط في قصة لا تزال تكتب سطورها في ملاعب كأس العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى