فوزي لقجع… حين يصبح النجاح تهمة انتخابية

بقلم/ أحمد البوحساني
في السياسة، عندما تعجز الأحزاب عن الدفاع عن حصيلتها، فإنها تبحث عن خصم أكثر مما تبحث عن برنامج. وحين يصعب إقناع الناخبين بما تحقق على الأرض، يصبح اختراع “فزاعة” سياسية الطريق الأسهل لتغيير مسار النقاش. هكذا تبدو اليوم الحملة التي تستهدف فوزي لقجع منذ إعلان التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة.
فجأة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء يعج بتوقعات جازمة بأن الانتخابات المقبلة حُسمت قبل أن تبدأ، وأن الحزب أصبح في طريقه إلى قيادة الحكومة، وأن الديمقراطية في المغرب ليست سوى واجهة شكلية. إنها رواية تحمل في ظاهرها انتقاداً للمشهد السياسي، لكنها في جوهرها تتضمن حكماً مسبقاً على إرادة ملايين المغاربة، وكأن الناخب لم يعد هو صاحب القرار، وكأن صناديق الاقتراع فقدت قيمتها قبل أن تُفتح.
لكن هذا الخطاب ليس جديداً، بل هو نسخة مكررة من سردية سياسية سبق أن استُخدمت كلما اقتربت البلاد من موعد انتخابي.
في سنة 2016، رُوج بالمنطق نفسه تقريباً لفكرة أن حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة إلياس العماري، هو “الحزب المدعوم”، وأن فوزه أمر محسوم، وأن نتائج الانتخابات معروفة سلفاً. غير أن الواقع السياسي كذب تلك التوقعات، إذ منحت صناديق الاقتراع الصدارة لحزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة لولاية ثانية، لتسقط بذلك واحدة من أكثر الروايات تداولاً آنذاك.
واليوم، لا يتغير سوى الاسم. فقد حل فوزي لقجع محل إلياس العماري، بينما بقي الخطاب على حاله، وكأن بعض الفاعلين السياسيين لم يستخلصوا أي درس من التجارب السابقة، أو ربما وجدوا في هذا النوع من السجال وسيلة للهروب من السؤال الذي يخشونه أكثر من أي منافس سياسي: ماذا أنجزتم للمغاربة؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر المواطن جواباً عنه. فالمغاربة لا ينتظرون معارك شخصية، ولا يبحثون عن تصفية حسابات بين السياسيين، بل يريدون حلولاً لارتفاع الأسعار، وتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وإصلاح المدرسة العمومية، والارتقاء بالخدمات الصحية، واستعادة الثقة في المؤسسات.
غير أن جزءاً من الطبقة السياسية يبدو أكثر ميلاً إلى اختزال النقاش في شخص واحد، بدل تقديم كشف حساب عن سنوات من تدبير الشأن العام.
والمفارقة اللافتة أن الذين يصفون فوزي لقجع بأنه “مرشح السلطة” أو “رمز النظام”، هم أنفسهم ممن راكموا تجارب حكومية طويلة. فنزار بركة يوجد اليوم في حكومته الثالثة، وسبق لنبيل بنعبد الله أن شارك في أكثر من حكومة، بينما قاد حزب العدالة والتنمية السلطة التنفيذية لعقد كامل.
أما فوزي لقجع، فلم يخض سوى تجربة حكومية واحدة بصفته وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية.
هنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: كيف يصبح صاحب تجربة حكومية واحدة رمزاً لكل ما يُنتقد، بينما يُقدم أصحاب التجارب الحكومية المتعددة أنفسهم باعتبارهم عنواناً للتغيير؟
إن الإجابة لا تكمن في شخص فوزي لقجع، بل في أزمة خطاب تعيشها بعض الأحزاب، التي وجدت نفسها أمام حصيلة يصعب تسويقها، فاختارت تحويل المنافس إلى قضية، أملاً في أن ينسى الرأي العام السؤال الأهم: من يملك مشروعاً مقنعاً للمستقبل؟
فالديمقراطية لا تعني أن يفوز حزب بعينه أو أن يُهزم آخر، وإنما تعني أن تكون الكلمة الفصل للمواطن. كما أن الانتماء الحزبي والترشح للمسؤولية حق دستوري مكفول لكل مواطن، ولا يمكن أن يصبح موضع تشكيك لمجرد أن صاحبه يمتلك حضوراً أو كفاءة أو تأثيراً.
والأخطر من ذلك، أن الإصرار على إعلان نتائج الانتخابات قبل إجرائها لا يشكل تشكيكاً في المنافسين بقدر ما يشكل تشكيكاً في الناخب المغربي نفسه، وفي قدرته على الاختيار الحر. وهو خطاب أثبتت التجارب السابقة أنه لا يصمد أمام الواقع عندما تُفتح صناديق الاقتراع.
في النهاية، لن ترسم مستقبل المغرب الحملات الإلكترونية، ولا الوسوم المتداولة، ولا محاولات تخويف الرأي العام من هذا الاسم أو ذاك. وحده المواطن المغربي، عندما يتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر المقبل، سيقرر من يستحق ثقته، بناءً على ما تحقق من إنجازات، وما يُعرض عليه من برامج، وما يراه أقرب إلى تطلعاته.
أما الأحزاب، فإن الطريق إلى استعادة ثقة المغاربة لا يمر عبر صناعة الخصوم أو شيطنة المنافسين، بل عبر فضيلة أصبحت نادرة في العمل السياسي: الاحتكام إلى الحصيلة أولاً، ثم إلى إرادة الناخبين.




