من محو الأسماء إلى طمس الهوية.. حين حاول الاحتلال الإسباني اقتلاع الجذور المغربية من سبتة ومليلية

الدار/ مريم حفياني
لم يقتصر المشروع الاستعماري الإسباني في سبتة ومليلية على فرض السيطرة على الأرض وإدارة المدينتين من خارج محيطهما المغربي، بل امتدت آثاره إلى ما هو أعمق: الإنسان، والذاكرة، والاسم الذي يحمل في كثير من الأحيان تاريخ العائلة ومكان انتمائها.
وتكشف قضية الأسماء العائلية لدى بعض الأسر ذات الأصول المغربية عن جانب لافت من هذا المسار؛ إذ تشير روايات ووثائق مرتبطة بتاريخ المدينتين إلى أن الإدارة الإسبانية تعاملت مع أسماء عائلية مغربية، بينها أسماء ذات جذور ريفية وجبلية وتحيل إلى قبائل ومناطق مغربية، بطريقة أدت في حالات إلى استبدالها بأسماء شخصية وتحويلها إلى ألقاب عائلية.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد إجراء إداري، لكنه في سياق استعماري يحمل دلالة أكبر بكثير. فالاسم المغربي لم يكن مجرد لقب يُكتب في سجل مدني، وإنما كان يحمل نسباً وذاكرة ومجالاً جغرافياً يربط الأسرة بقبيلتها ومنطقتها وبالمغرب. وبالتالي فإن تغيير هذه الأسماء أو تفريغها من دلالاتها الأصلية ساهم في إضعاف إحدى أهم علامات الانتماء المتوارثة.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات وضوحاً في تجربة الاحتلال الإسباني: فبدلاً من الاعتراف بالتاريخ المغربي العميق للمنطقة وسكانها، جرى الدفع نحو إنتاج هوية جديدة تُقدَّم باعتبارها إسبانية، حتى عندما يتعلق الأمر بسكان حافظوا على دينهم وعاداتهم وروابطهم الاجتماعية والثقافية المغربية.
ولعل بعض التركيبات الاسمية التي تبدو اليوم غير مألوفة، مثل تكرار اسم “محمد” في الاسم الكامل، تختصر جانباً من هذه القصة. فقد ساهم تطبيق قواعد تسجيل الأسماء الإسبانية، التي تعتمد على اسمي عائلة الأب والأم، في تحويل أسماء شخصية إلى ألقاب عائلية متوارثة، بما أدى في بعض الحالات إلى قطع الصلة الظاهرة بين الاسم والامتداد القبلي أو الجغرافي المغربي للأسرة.
إن القضية، بهذا المعنى، تتجاوز مسألة الأسماء لتطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة الاستعمار نفسه. فالسيطرة على الأرض لا تكتمل فقط بإدارة المؤسسات ورفع الأعلام، وإنما تسعى الأنظمة الاستعمارية تاريخياً إلى إعادة صياغة ذاكرة المكان وسكانه، بحيث يبدو الواقع الجديد وكأنه حقيقة أزلية لا تاريخ لها.
لكن التاريخ المغربي لسبتة ومليلية لا يمكن محوه بتغيير الأسماء في سجلات إدارية. فالموقع الجغرافي للمدينتين، وامتدادهما الطبيعي داخل المجال المغربي، والروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية التي تجمعهما بمحيطهما، كلها حقائق سبقت الوجود الاستعماري الإسباني وتستمر في تشكيل النقاش حول مستقبل المدينتين.
ومن هذه الزاوية، تصبح الأسماء العائلية بمثابة أرشيف حيّ؛ فقد تحمل في طياتها أسماء القبائل والقرى والمناطق المغربية التي حاولت الإدارة الاستعمارية إبعادها عن الواجهة الرسمية. وما قد يبدو اليوم لقباً عادياً يمكن أن يكون في الحقيقة أثراً متبقياً لذاكرة مغربية أقدم بكثير من الحدود السياسية التي فرضها الاستعمار.
لقد تمكن الاحتلال من تغيير بعض الوثائق، لكنه لم يتمكن من تغيير الجغرافيا، ولا من إلغاء الذاكرة، ولا من فصل شمال المغرب عن عمقه الطبيعي. وبينما تتغير الأجيال والسياسات، تظل سبتة ومليلية شاهدتين على مرحلة استعمارية لم تستطع إعادة كتابة التاريخ بالكامل، مهما حاولت إعادة تعريف سكانهما وأسمائهم وهويتهم.
أخطر ما في الاستعمار ليس احتلال الأرض فقط، بل محاولة إقناع أصحابها بأنهم غرباء عنها. غير أن التاريخ المغربي لسبتة ومليلية، بما يحمله من امتدادات بشرية وثقافية وجغرافية، يظل أقوى من أي محاولة لطمس الذاكرة أو إعادة صياغة الهوية من داخل سجلات الإدارة الاستعمارية.




