وثيقة سرية أمريكية عن سبتة ومليلية: ملك إسبانيا السابق كان يفكر في إعادتهما إلى المغرب

الدار/ إيمان العلوي
بعد عقود من محاولات تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً نهائياً وغير قابل للنقاش من التراب الإسباني، تعيد وثيقة دبلوماسية أمريكية رفع الستار عن مرحلة مختلفة تماماً من تاريخ الملف، وتكشف أن مسألة مستقبل الثغرين كانت، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، مطروحة داخل أعلى دوائر القرار الإسباني بمنطق سياسي أكثر مرونة مما يوحي به الخطاب الرسمي الحالي.
الوثيقة، المؤرخة في 30 أبريل 1979 والتي أزيلت عنها السرية سنة 2014، توثق لقاءً دام نحو ساعة ونصف بين الملك الإسباني خوان كارلوس الأول والسيناتور الأمريكي إدموند موسكي في قصر الزارزويلا. وما يجعلها لافتة هو ما نسبه الدبلوماسي الأمريكي إلى العاهل الإسباني بشأن جوهر الخلاف مع المغرب، إذ وصف سبتة ومليلية باعتبارهما “الجيبين الاستعماريين” اللذين يشكلان القضية الكبرى بين البلدين.
هذه العبارة، الواردة في وثيقة دبلوماسية أمريكية، تحمل دلالة سياسية وتاريخية كبيرة، لأنها تعكس، وفق مضمون البرقية، إدراكاً في أعلى هرم الدولة الإسبانية بأن وضع المدينتين لا يمكن فصله عن الإرث الاستعماري وعن مستقبل العلاقات مع المغرب.
والأهم أن الوثيقة لا تتوقف عند توصيف المشكلة، بل تنقل تصورات نسبت إلى خوان كارلوس بشأن إمكانية إيجاد تسوية. ففي ما يتعلق بمليلية، تشير البرقية إلى أن الملك كان يرى أن غالبية سكانها من المغاربة، وأن تسليمها للمغرب كان يمكن أن يصبح خياراً مطروحاً في المستقبل القريب.
أما سبتة، فقد بدت أكثر تعقيداً في الحسابات التي نقلتها الوثيقة، بسبب التقارب في التركيبة السكانية بين الإسبان والمغاربة. ولذلك برز اقتراح مختلف يقوم على وضعها تحت نظام دولي مؤقت، على غرار التجربة التي عرفتها طنجة بين 1923 و1956، بما يسمح بتهيئة الأرضية لتسوية لاحقة.
وهنا تظهر أهمية استحضار تجربة طنجة نفسها. فالمدينة التي كانت خاضعة لنظام دولي خاص عادت في نهاية المطاف إلى السيادة المغربية سنة 1956، بعد انتهاء الحماية الأجنبية واستعادة المغرب استقلاله. وبالتالي، فإن استحضار النموذج الطنجاوي في نقاش يتعلق بسبتة لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل يقدم تصوراً لمسار تدريجي يمكن أن يبدأ بترتيب انتقالي وينتهي بحسم مسألة السيادة.
وتزداد دلالة هذه المعطيات مع الإشارة الواردة في البرقية إلى تحذير من احتمال اندلاع “مسيرة خضراء ثانية” في حال عدم الوصول إلى حل. فبعد التجربة التي شهدتها الصحراء سنة 1975، كان واضحاً أن القوة الشعبية والرمزية التي أظهرها المغرب في الدفاع عن قضاياه الترابية أصبحت عاملاً لا يمكن تجاهله في حسابات مدريد.
بهذا المعنى، تكشف الوثيقة أن قضية سبتة ومليلية لم تكن، في تلك المرحلة، ملفاً مغلقاً كما يتم تصويره اليوم، بل كانت جزءاً من حسابات سياسية تبحث عن مخرج يحفظ المصالح ويمنع تحول النزاع إلى أزمة مفتوحة بين الرباط ومدريد.
واللافت أيضاً أن هذه المعطيات ظهرت إلى العلن بعد رفع السرية عن الوثيقة، وأثارت اهتماماً وانتقادات في سبتة ومليلية، حيث لا تزال أي إشارة إلى احتمال تغيير وضع المدينتين تثير حساسية سياسية كبيرة. غير أن الجدل الذي رافق الكشف عنها لم يغير من حقيقة وجود الوثيقة في الأرشيف الدبلوماسي الأمريكي، ولا من مضمون ما سجله الدبلوماسي عقب لقائه بالملك.
ومن منظور مغربي، تمنح هذه الوثيقة بعداً إضافياً للنقاش حول الثغرين، لأنها تُظهر أن الاعتقاد بأن الوضع الحالي كان دائماً محل إجماع إسباني مطلق لا ينسجم بالضرورة مع ما تكشفه الوثائق التاريخية. فالسيادة، كما تظهرها مسارات التاريخ، ليست دائماً قضية جامدة، بل يمكن أن تصبح موضوعاً للتفاوض عندما تتغير الظروف السياسية والاستراتيجية.
كما أن الحديث عن التركيبة السكانية للمدينتين في تلك المرحلة يضيف بعداً آخر إلى القضية. فالموقع الجغرافي لسبتة ومليلية، وارتباطهما التاريخي بالمغرب، وحضور السكان المغاربة، كلها عناصر تجعل التعامل معهما باعتبارهما مجرد نقطتين على الخريطة الإسبانية يتجاهل جزءاً مهماً من خلفية النزاع.
وهو ما يجعل الوثيقة ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى المغرب، ليس باعتبارها “حكماً” قانونياً يحسم مستقبل سبتة ومليلية، وإنما باعتبارها شهادة تاريخية تكشف أن وضع المدينتين لم يكن دائماً محاطاً بالسقف السياسي نفسه الذي تضعه مدريد اليوم.
لقد تغيرت إسبانيا، وتغيرت المنطقة، وتغيرت طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية. لكن الجغرافيا لم تتغير: سبتة ومليلية تقعان على الساحل الشمالي للمغرب، ولا يفصل بينهما وبين باقي التراب المغربي سوى حدود فرضها التاريخ الاستعماري.
وبين خطاب سياسي إسباني معاصر يصر على اعتبار القضية محسومة، ووثائق تاريخية تكشف أن أعلى مستوى في الدولة الإسبانية كان يفكر، في مرحلة سابقة، في سيناريوهات مختلفة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما يبدو اليوم ثابتاً ونهائياً هو في الحقيقة مجرد مرحلة أخرى من مسار تاريخي لم يصل بعد إلى نهايته؟
لا تحتاج قضية سبتة ومليلية إلى إعادة كتابة التاريخ، بقدر ما تحتاج إلى قراءة التاريخ كاملاً، بما فيه الوثائق التي تكشف ما قيل خلف الأبواب المغلقة. والوثيقة الأمريكية لعام 1979 تقدم واحدة من أبرز هذه الشهادات: فقبل أن يصبح الحديث عن سيادة إسبانيا على الثغرين من أكثر الخطوط الحمراء حساسية في الخطاب السياسي الإسباني، كان مستقبل المدينتين يُناقش، وفق البرقية، بمنطق مختلف، وكانت فكرة انتقالهما إلى المغرب حاضرة ضمن السيناريوهات المطروحة.



