Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

موكب الشموع بسلا.. خمسة قرون من التراث والاحتفاء بالمولد النبوي

أحمد البوحساني

تتحول المدينة العتيقة بسلا، عشية ذكرى المولد النبوي الشريف، إلى فضاء احتفالي تتداخل فيه الأبعاد الدينية والثقافية والفنية، مع تنظيم موكب الشموع، أو ما يعرف محلياً بـ«دور الشمع»، وهو أحد أبرز التقاليد التراثية التي ارتبط اسمها بمدينة سلا على مدى أكثر من أربعة قرون.

ويتميز هذا الموعد السنوي بخروج مواكب تضم هياكل شمعية كبيرة، تتخذ في الغالب أشكال المآذن والقباب، وتزين بألوان وزخارف مستوحاة من الفن والعمارة الإسلامية، بينما ترافقها الأهازيج والأذكار وإيقاعات الفرق التراثية، قبل أن ينتهي الموكب عند ضريح الولي الصالح مولاي عبد الله بن حسون.

موكب تتوارثه الأجيال :

ينطلق الموكب عادة بعد صلاة العصر عشية المولد النبوي، ويتقدم المشاركين فيه شرفاء الزاوية الحسونية، إلى جانب حَمَلة الهياكل الشمعية ومجموعات من الفرق الصوفية والفلكلورية.

ويجوب الموكب عدداً من أزقة وشوارع المدينة العتيقة، مروراً بساحة الشهداء وباب بوحاجة، وسط حضور جماهيري كبير، قبل أن يتوجه نحو ضريح مولاي عبد الله بن حسون، حيث تستمر الاحتفالات خلال الفترة المسائية بفقرات من الموسيقى الأندلسية والمديح والسماع.

ولا يقتصر موسم الشموع على الموكب وحده، إذ ترافقه عادة برامج دينية وثقافية وفنية، تشمل الندوات والمحاضرات والمعارض والأنشطة المرتبطة بالسيرة النبوية والتراث المحلي، إلى جانب موائد لفائدة المشاركين والأسر المحتاجة.

هياكل شمعية تحاكي المآذن والعمارة الإسلامية :

وتشكل الهياكل الشمعية أبرز عناصر هذا التقليد. وهي ليست شموعاً عادية مخصصة للإنارة، وإنما مجسمات مصنوعة من هياكل خشبية سميكة، تغطى بالورق وتزين بقطع من الشمع الملون، قبل أن تتحول إلى لوحات زخرفية مستوحاة من المآذن والأشكال الهندسية الإسلامية.

وتتطلب هذه الصناعة التقليدية وقتاً ومهارة كبيرين، إذ تتولى أسر وحرفيون متخصصون إعداد المجسمات وتزيينها استعداداً للموسم. وتشير مصادر مدينة سلا إلى أن هذه الحرفة تناقلتها عدة عائلات عبر أجيال متعاقبة، قبل أن تستقر مهمة صناعة وتزيين هياكل الموكب في السنوات الأخيرة لدى حرفيين متخصصين.

وقد يصل وزن بعض هذه المجسمات إلى نحو 50 كيلوغراماً، وهو ما يجعل حملها واستعراضها جزءاً من المشهد الاحتفالي المميز للموكب.


من إسطنبول إلى سلا.. قصة نشأة الموكب :

ترتبط الرواية التاريخية الشائعة لبداية موكب الشموع بالسلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، الذي حكم المغرب بين 1578 و1603.

وتفيد الرواية المتداولة أن المنصور الذهبي، وقبل توليه الحكم، شاهد خلال وجوده في الدولة العثمانية احتفالات بالمولد النبوي، أعجب خلالها باستعراض الشموع، فقرر نقل الفكرة إلى المغرب وتطويرها بما يتناسب مع التقاليد المغربية.

وبعد توليه الحكم، عقب معركة وادي المخازن سنة 1578، جرى تنظيم احتفالات بالمولد النبوي في عدد من المدن المغربية، وتشير المصادر الرسمية لمدينة سلا إلى أن سنة 986 هجرية ارتبطت ببداية هذا التقليد، حيث اختارت سلا الشمع لتشكيل مجسماتها، بينما استخدمت مدن مغربية أخرى أشكالاً ومواد مختلفة في الاحتفالات.

ومع مرور الزمن، ارتبط هذا التقليد بمدينة سلا بشكل خاص، وأصبح موسم الشموع من أبرز مواعيدها الدينية والثقافية.


مولاي عبد الله بن حسون.. الذاكرة الروحية للموكب :

يرتبط موسم الشموع كذلك باسم الولي الصالح مولاي عبد الله بن حسون، الذي أصبح ضريحه والزاوية الحسونية مركزاً أساسياً لهذه الاحتفالات.

وتشير المعطيات المنشورة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومدينة سلا إلى أن مولاي عبد الله بن حسون ولد سنة 920 هجرية، الموافق لـ1515 ميلادية، وتوفي سنة 1013 هجرية/1604 ميلادية، وكان من علماء عصره ومن أعلام التصوف، كما ارتبط اسمه بمدينة سلا وبالزاوية الحسونية.

وتنسب الرواية الرسمية للمدينة إلى السلطان أحمد المنصور الذهبي تكليف ابن حسون بالسهر على تنظيم الموسم، قبل أن يصبح الإشراف عليه لاحقاً من اختصاص ذريته، وهو ما جعل الزاوية الحسونية جزءاً أساسياً من استمرارية هذا التقليد.

رقصة الشمعة .. لحظة ذروة الاحتفال:

ومن أبرز طقوس الموسم ما يعرف برقصة الشمعة، وهي فقرة احتفالية تقام بعد وصول الموكب إلى الزاوية أو الضريح، حيث يتم استعراض إحدى الهياكل الشمعية على إيقاعات الموسيقى الأندلسية، قبل الانتقال إلى أجواء المديح والسماع.

وتجمع هذه الطقوس بين الموسيقى والإنشاد والذاكرة الصوفية، في مشهد يعكس خصوصية الاحتفال السلاوي بالمولد النبوي، ويمنح الموكب بعداً فنياً يتجاوز مجرد الاستعراض.

كما تحضر خلال الموسم فرق تراثية من مناطق مختلفة من المغرب، من بينها مجموعات صوفية وفلكلورية، وهو ما يضفي على المناسبة طابعاً وطنياً متنوعاً. وقد شهدت بعض الدورات أيضاً مشاركة فرق من خارج المغرب.

تقليد ديني وذاكرة ثقافية :

لا ينظر إلى موكب الشموع باعتباره مجرد احتفال شعبي، بل يمثل بالنسبة إلى أهل سلا جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة، ووسيلة للحفاظ على حرفة تقليدية وفنون مرتبطة بالمولد النبوي.

فالشموع المزخرفة تختزن جانباً من الصناعة التقليدية المحلية، بينما يجسد الموكب استمراراً لطقوس توارثتها أجيال متعاقبة، وتشارك فيها الزاوية الحسونية والحرفيون والفرق التراثية وسكان المدينة.

وتؤكد مدينة سلا أن الموسم يهدف كذلك إلى ترسيخ قيم دينية وثقافية، من خلال الأنشطة الفكرية والمعارض والندوات والبرامج الفنية المرافقة للموكب.

سلا.. مدينة تحتفظ بذاكرتها :

ويأتي موكب الشموع في سياق تاريخي لمدينة سلا التي تعد من المدن المغربية العريقة، وتحتفظ داخل مدينتها العتيقة بعدد كبير من المعالم التي تعكس تعاقب الحضارات والدول على المنطقة.

وقد ساهم موقعها على ضفة أبي رقراق وقربها من المحيط الأطلسي في منحها مكانة اقتصادية وتجارية وبحرية مهمة عبر مراحل مختلفة من تاريخ المغرب، كما ارتبط تاريخها بحضور الأندلسيين والموريسكيين وبفترات ازدهار النشاط البحري والتجاري.

ومن هذه المدينة العريقة، يستمر موكب الشموع في إعادة تقديم نفسه كل عام، محافظاً على ملامحه الأساسية، وفي مقدمتها المجسمات الشمعية، والموسيقى التراثية، ورقصة الشمعة، والاحتفال بالمولد النبوي.

وهكذا، لا يكتفي دور الشمع في سلا بإحياء مناسبة دينية، بل يقدم في كل دورة مشهداً حياً لذاكرة مدينة اختارت أن تجعل من تراثها جسراً بين الماضي والحاضر، وأن تحول تقليداً عمره قرون إلى موعد سنوي يجمع الساكنة والزوار حول التاريخ والفن والروحانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى