Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

من إستعمار الأرض إلى هندسة الهوية، ماذا تريد إسبانيا من تجنيس الصحراويين؟

لماذا قررت إسبانيا بعد أكثر من نصف قرن على إنهاء وجودها الاستعماري في الصحراء المغربية، فتح باب جنسيتها أمام فئة من الصحراويين وذريتهم؟ ولماذا أُخرج هذا الملف من أدراج البرلمان في لحظة دولية دقيقة أعقبت صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، وما تلاه من تحركات ومفاوضات في مدريد وواشنطن تروم الإنتقال من إدارة النزاع إلى بحث آليات تنزيل حل سياسي واقعي ودائم على أساس مبادرة الحكم الذاتي؟ إن الجواب لا يمكن إختزاله في خطاب إدعاء جبر الضرر التاريخي، ولا في الإعتبارات الإنسانية التي رفعتها القوى المؤيدة للمبادرة، لأن الجنسية وإن كانت في ظاهرها رابطة قانونية بين الدولة والفرد قد تتحول في نزاع إقليمي ممتد إلى أداة لإعادة تعريف السكان، وصناعة ذاكرة جماعية جديدة والتأثير في التوازنات السياسية والديمغرافية المحيطة بالتسوية النهائية. فإسبانيا التي غادرت الصحراء في 26 فبراير 1976 من دون إستكمال مسؤوليتها التاريخية في تصفية الإستعمار تعود اليوم، لا من بوابة الأرض، بل من بوابة الإنسان بجواز السفر والسجل المدني.

لقد صادق مجلس النواب الإسباني، بتاريخ 10 شتنبر 2026 بأغلبية 168 صوتا مقابل معارضة 31 وإمتناع 145 نائب على مقترح يفتح مسار استثنائي لإكتساب الجنسية الإسبانية أمام الصحراويين المولودين في الإقليم قبل 29 شتنبر 1977، ويمد إمكان الإستفادة ضمن شروط وآجال محددة إلى أبنائهم من الدرجة الأولى. ولا يتعلق الأمر من الناحية القانونية بمنح جماعي أو تلقائي للجواز الإسباني، كما أن النص لا يصبح نافذا إلا بعد إستكمال مسطرته التشريعية أمام مجلس الشيوخ وصدوره ونشره وفق الإجراءات الدستورية الإسبانية. غير أن إختيار تاريخ 29 شتنبر 1977 يثير إشكال جوهري لأنه يمتد إلى فترة لاحقة على إعلان إسبانيا إنهاء وجودها الإداري في الصحراء المغربية بما يجعل معيار الإستفادة أوسع زمنيا من مدة الإدارة الإستعمارية نفسها، ويفرض التساؤل عن الأساس القانوني والسياسي لهذا الإمتداد. وتقدم إسبانيا المبادرة بوصفها تصحيح لآثار المرسوم الملكي رقم 2258 لسنة 1976، الذي منح سكان الصحراء مهلة محدودة لإختيار الجنسية الإسبانية في ظروف إتسمت بالانسحاب والإضطراب وتعذر إستيفاء الإجراءات الإدارية بالنسبة إلى فئات واسعة. ولا يمكن إنكار البعد الإنساني المتصل بأوضاع أشخاص يعيشون بوثائق سفر مؤقتة أو يجدون صعوبة في إثبات جنسيتهم وهنا أخص بالذكر مخيمات تندوف، أما ساكنة الصحراء المغربية فهم مغاربة يمارسون حقوقهم السياسية والمدنية والدستورية كغيرهم في باقي أقاليم المملكة. إن التبرير المعتمد من قبل مجلس النواب الإسباني يصطدم بالموقف الذي كرسته المحكمة العليا الإسبانية في حكمها رقم 1240/2020 الصادر في 29 ماي 2020، حين قضت بأن الصحراء و رغم خضوعها للإدارة الإسبانية واتخاذها في مرحلة معينة وصف “المقاطعة”، لم تكن أبدا جزء من التراب الوطني الإسباني بالمعنى المقصود في المادة 17 من القانون المدني، وأن الولادة فيها لا تمنح بشكل تلقائي الجنسية الإسبانية الأصلية. وإذا كان من حق المشرع الإسباني أن ينشئ طريق استثنائي جديد للتجنس، فإن التناقض يبقى قائم في الخطاب السياسي، فعندما طلب ترتيب الجنسية الأصلية قيل إن الصحراء لم تكن إسبانيا، وعندما اقتضت المصلحة استعادة أثر الماضي الاستعماري جرى استحضار دفاتر “المقاطعة الثالثة والخمسين” وسجلات سكانها. وهكذا تنتقل مدريد من جنسية الأصل التي نفاها القضاء إلى جنسية إستثنائية يصنعها البرلمان، ومن إنكار ال الإندماج الترابي إلى إستثمار الرابطة الإستعمارية كلما إقتضت الحسابات الداخلية والإقليمية ذلك.

كما لا يمكن فصل توقيت المبادرة عن التحول الذي شهده ملف الصحراء المغربية بعد قرار مجلس الأمن رقم 2797، وعن مساري مدريد وواشنطن وما حملاه من توجه نحو حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بإجماع دولي كامل سياسي ودبلوماسي بالنظر لعدد التمثيليات الديبلوماسية المتواجدة بالعيون والداخلة، وتوالي سحب أو تجميد الإعترافات بالكيان الانفصالي، حتى داخل دول بأمريكا اللاتينية ظلت لعقود من معاقله التقليدية. وفي هذا السياق يبدو فتح ملف الجنسية محاولة إسبانية للاحتفاظ بورقة تأثير في مرحلة بدأت فيها أوراق النزاع القديمة تفقد فاعليتها. فحين يتراجع خيار الإستفتاء بصيغته التقليدية ويتقدم الحكم الذاتي بوصفه قاعدة عملية للتفاوض، يصبح تعريف “من هو الصحراوي” مسألة سياسية تتجاوز الحق الفردي في الجنسية. وقد يسمح التجنيس إذا ارتبط حصرا بالسجلات الإسبانية القديمة، بإنتاج قاعدة بشرية وقانونية موازية يمكن تقديمها مستقبلا باعتبارها التعبير الأدق عن سكان الإقليم، أو استخدامها في أي نقاش حول الهيئة الناخبة أو التمثيل السياسي أو الذاكرة الاستعمارية. غير أن سجلات مدريد التي كانت تحصي نحو ثمانين ألف شخص في نهاية المرحلة الاستعمارية لا تتطابق بالضرورة مع لوائح تحديد الهوية التي اشتغلت عليها بعثة المينورسو منذ سنة 1991، ولا مع البنية القبلية الممتدة بين الصحراء وباقي جهات المغرب وموريتانيا والجزائر. ومن هنا يصبح التجنيس سلاح ذا حدين، فالمغرب قد يرى فيه محاولة لإعادة الحياة إلى منطق الاستفتاء وتأسيس رابطة نفوذ أجنبية داخل أقاليمه الجنوبية، بينما قد تخشى البوليساريو أن يؤدي إعتماد السجلات الإسبانية إلى تضييق تعريف الصحراوي وإستبعاد فئات واسعة من سكان المخيمات ومن الأجيال التي ولدت بعد رحيل إسبانيا ولا تملك أثر مباشر في تلك السجلات.

وحسب وجهة نظرنا المتواضعة فقوة الموقف المغربي تقتضي الإبتعاد عن المبالغة القانونية. فالجنسية وفق المبادئ العامة للقانون الدولي وإتفاقية لاهاي لسنة 1930، تدخل أصلا ضمن ال الإختصاص الداخلي للدول ولذلك لا يشكل فتح مسار إختياري وفردي للتجنس، في حد ذاته، إعلان إسباني للسيادة على الصحراء، ولا يعيد إلى مدريد صفة القوة القائمة بالإدارة ولا يحول المستفيدين جماعيا إلى إمتداد سياسي لإسبانيا داخل الإقليم، كما لا يسقط الجنسية المغربية عمن يحملها ولا يمنح القانون الإسباني قدرة على تغيير الحدود أو حسم نزاع تتولاه الأمم المتحدة. والجنسية ليست سند ملكية على الأرض ولا يجوز الخلط بين رابطة الفرد بالدولة وبين السيادة الإقليمية. لكن الخطر يبدأ عندما يبنى الإستحقاق على هوية إقليمية مصطنعة، أو يستعمل لاحقا لإنشاء تمثيل جماعي أو سجل سياسي أو ذريعة لحماية فئة محددة داخل الإقليم. عندئذ لا يعود الأمر مجرد تسوية إنسانية، بل يتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل هوية السكان وفصل ذاكرتهم القانونية عن إمتدادهم المغربي. ويؤكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر 1975 أن الصحراء لم تكن عند بداية الاستعمار أرض بلا مالك، وأن روابط قانونية للبيعة كانت قائمة بين سلطان المغرب و قبائل الإقليم وفق الأدلة المعروضة عليها والتي أتبثت سيادة إقليمية تشمل الإقليم كله. كما أن إدراج الصحراء منذ سنة 1963، ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لم يجعلها جزء من الدولة الإسبانية بل أثبت مسؤولية إسبانيا بصفتها قوة إستعمارية قائمة بالإدارة وإلتزامها بإستكمال تصفية الاستعمار والذي ترتب عنه نزاع مفتعل حبكت أوراقه في عهد بومدين. لذلك لا يحق لمدريد أن تحول مسؤوليتها التاريخية عن الإنسحاب المضطرب إلى حق دائم في تعريف سكان الإقليم أو تمثيلهم، كما لا يجوز الخلط بين الصحراء التي كانت تسمى الصحراء الإسبانية والتي ترتبط تاريخيا بسيادة المغرب و طرفاية التي كانت ضمن المنطقة الجنوبية للحماية الإسبانية مع بقاء السيادة للسلطان أي للسلطة المركزية المغربية إلى أن ثم إسترجاعها سنة 1958. فالتقسيمات والأوصاف التي أنتجتها إتفاقيتا 1904 و1912 كانت أدوات استعمارية لاقتسام النفوذ، ولا تستطيع وحدها محو الروابط التاريخية والقانونية للمغرب أو منح القوة المستعمرة حقوق مؤجلة في الأرض والإنسان.

إن منح الجنسية لفئة من الصحراويين، في هذه التوقيت يجمع بين دوافع إنسانية حقيقية وحسابات سياسية، هل هو إستجابة لمطالب قديمة لأشخاص تضرروا من الإنسحاب الإسباني، وأداة لتسوية حالات قانونية فردية وإنتصار لقوى داخل اليسار الإسباني تريد موازنة تحول مدريد منذ سنة 2022 نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي، وورقة ضغط في علاقة إسبانية مغربية تتأثر بملفات الهجرة وسبتة ومليلية والتنافس الحزبي الداخلي. كما يمكن أن يكون محاولة للاحتفاظ بدور إسباني في نزاع يتجه مركز ثقله بصورة متزايدة نحو الأمم المتحدة وواشنطن والعواصم الداعمة للحل الواقعي. ولذلك فإن الرد المغربي الأكثر نجاعة لا يكون برفض حق الأفراد في البحث عن وضع قانوني مستقر، ولا بالقول إن كل تجنيس يشكل تلقائيا اعتداء على السيادة، بل بمطالبة مدريد بضمان بقاء آثار القانون شخصية واختيارية ومحضة، والكشف عن معايير إثبات الصلة بالإقليم، ومنع توظيف السجلات الجديدة في إنشاء جماعة سياسية أو هيئة إنتخابية موازية، وعدم اتخاذ الجنسية ذريعة لأي حماية دبلوماسية جماعية أو تدخل سياسي في الأقاليم الجنوبية. كما يحق للمغرب أن يسأل لماذا تعالج إسبانيا إرث إستعمارها بمنح جنسيتها، بدلا من فتح أرشيفها والإعتراف بمسؤوليتها التاريخية والكشف عن حقيقة السجلات والخرائط والإلتزامات التي تركتها معلقة؟ ولماذا يأتي إحياء هذا الملف حين تقترب العملية السياسية من صياغة حل على أساس الحكم الذاتي، وحين تتراجع أطروحة الانفصال حتى في معاقلها السابقة؟

ختاما، إن قضية التجنيس ليست قضية أوراق أو جوازات سفر بل قضية سلطة وذاكرة وتعريف لمن يملك حق تعريف الصحراوي إسبانيا بإرثها الإستعماري، أم المغرب بروابطه التاريخية وسيادته، أم البوليساريو بادعائها التمثيل السياسي، أم الإنسان الصحراوي بإرادته الفردية الحرة؟ والاستشراف الأقرب هو أن مدريد ستحاول تقديم القانون بإعتباره تسوية إنسانية محدودة، مع الإحتفاظ بقيمته كورقة سياسية قابلة للاستعمال كلما توترت علاقتها بالرباط أو إحتدم خلافها الداخلي حول الصحراء. غير أن نجاح مسار الحكم الذاتي وتحوله إلى تسوية دولية قابلة للتنفيذ سيجرد الجنسية الإسبانية من أي وظيفة إقليمية، ويحصرها في آثارها المدنية الفردية. أما إذا استخدمت لصناعة سجل ديمغرافي بديل أو تمثيل سياسي عابر للحدود، فإنها ستتحول من وسيلة لجبر الضرر إلى إمتداد متأخر لمنطق إستعماري لم يعد قادرا على إستعادة الأرض، فإختار أن ينازع المغرب في ذاكرة أهله وهويتهم. لقد خرجت إسبانيا من الصحراء، لكنها لم تتحرر بعد من إغراء تاريخها الإستعماري، وحين تعجز القوة الإستعمارية السابقة عن إستعادة الأرض، فإن أخطر ما قد تفعله هو أن تحاول إستعادة الإنسان بجواز سفر.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي.
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
بالمركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى