Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

صناديق الاقتراع في الصحراء المغربية.. مشاركة انتخابية قياسية تتجاوز الحسابات الحزبية

أحمد البوحساني

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر، تتجه الأنظار مجدداً إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، التي اعتادت تسجيل نسب مشاركة انتخابية مرتفعة مقارنة بالمعدل الوطني، في ظاهرة أصبحت من أبرز سمات المشهد الانتخابي بهذه المناطق.

وتكتسي المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية أهمية خاصة، بالنظر إلى خصوصية المنطقة وطبيعة التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها خلال العقود الأخيرة، فضلاً عن ارتباطها بالنقاش الوطني حول قضية الصحراء المغربية والتمثيلية السياسية للسكان داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي انتخابات 8 شتنبر 2021، سجلت الجهات الجنوبية الثلاث نسب مشاركة تجاوزت المعدل الوطني بشكل واضح؛ إذ بلغت 66.94 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و63.76 في المائة بجهة كلميم واد نون، و58.30 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، مقابل 50.18 في المائة على المستوى الوطني.

وتطرح هذه الأرقام، مع كل استحقاق انتخابي، سؤالاً حول العوامل التي تقف وراء ارتفاع المشاركة في هذه المناطق، وما إذا كان الأمر يتعلق بطبيعة خاصة للعلاقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، أم بقوة التعبئة السياسية والاجتماعية، أم بتداخل مجموعة من العوامل المحلية والتاريخية.

تعبئة محلية تسبق موعد الاقتراع :

خلال الأسابيع الأخيرة، شهد عدد من مدن وأقاليم الصحراء المغربية لقاءات تواصلية واجتماعات شارك فيها شيوخ وممثلو وأعيان القبائل وفعاليات اجتماعية محلية، خُصص جانب منها للتداول بشأن الاستحقاقات المقبلة والدعوة إلى المشاركة الواسعة فيها.

وتعكس هذه اللقاءات، بحسب ما يبرز من مضامينها، رغبة لدى عدد من الفعاليات المحلية في رفع مستوى الانخراط في العملية الانتخابية، وحث المواطنين على ممارسة حقهم في التصويت واختيار ممثليهم داخل المؤسسات المنتخبة.

ولا تقتصر الدعوات إلى المشاركة على أفراد القبائل ومحيطها المباشر، بل تتجه في بعض الحالات إلى توسيع دائرة التواصل لتشمل الجيران والأصدقاء والأصهار والمعارف، بما يحول الدعوة إلى التصويت من مبادرة فردية أو انتخابية ضيقة إلى حركية اجتماعية أوسع.

ويرى أصحاب هذه الدعوات أن الانتخابات تمثل فرصة أمام الناخب للتعرف على المرشحين وبرامجهم، وتقييم تجربتهم وحضورهم السياسي والمجتمعي، قبل اتخاذ القرار الانتخابي، بما يجعل حسن الاختيار مرتبطاً بمدى وعي المواطن بالأشخاص والبرامج التي يختارها لتمثيله.

التنافس الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف اجتماعي :

ومن بين الرسائل التي برزت خلال هذه اللقاءات، التأكيد على ضرورة الفصل بين المنافسة الانتخابية والعلاقات الاجتماعية التي تجمع مكونات المجتمع المحلي.

فالتنافس على المقاعد الانتخابية، وفق هذا الطرح، يظل مؤقتاً ومرتبطاً بمحطة انتخابية محددة، بينما تستمر الروابط الاجتماعية والقبلية بعد انتهاء الاقتراع. ولذلك برزت دعوات إلى تجاوز الخلافات التي قد تفرزها المنافسة بين المرشحين واللوائح، وعدم السماح للاختلاف في الاختيارات السياسية بأن يتحول إلى قطيعة أو انقسام داخل المجتمع المحلي.

ويحاول هذا الخطاب تقديم الانتخابات باعتبارها ممارسة ديمقراطية تقوم على تعدد الاختيارات والتنافس، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التماسك الاجتماعي، خصوصاً في المناطق التي تلعب فيها الروابط الاجتماعية والقبلية دوراً مهماً في الحياة العامة.

حين تصبح المشاركة عنواناً للتمثيلية السياسية:

ولا تنحصر أهمية المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية، بالنسبة إلى الفعاليات الداعية إليها، في تحديد أسماء الفائزين بالمقاعد البرلمانية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى مسألة التمثيلية السياسية للسكان. وفي ظل استمرار الخطابات التي تقدم نفسها باعتبارها معبرة عن سكان الصحراء، تنظر فعاليات محلية إلى المشاركة في الانتخابات باعتبارها إحدى الوسائل التي تتيح للسكان التعبير المباشر عن اختياراتهم السياسية، واختيار ممثليهم عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات المنتخبة.

ومن هذا المنظور، تصبح نسبة المشاركة أحد المؤشرات التي تحظى باهتمام خاص، ليس فقط من الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضاً من المتابعين للملف السياسي للصحراء المغربية على الصعيد الدولي ، باعتبارها تعكس مستوى انخراط السكان في العملية المؤسساتية.

لماذا ترتفع المشاركة في الأقاليم الجنوبية؟

يقدم متابعون للمشهد الانتخابي عدة تفسيرات لارتفاع نسب المشاركة في الأقاليم الجنوبية، من بينها قوة التعبئة السياسية والحزبية، وارتفاع مستوى النقاش حول القضايا المحلية، فضلاً عن الحضور المؤثر للأعيان والفاعلين الاجتماعيين والروابط القبلية في الحياة العامة.

كما أن خصوصية المنطقة وطبيعة القضايا المطروحة فيها تجعل الانتخابات، بالنسبة إلى جزء من الناخبين، أكثر ارتباطاً بالشأن المحلي وباختيار الأشخاص القادرين على تمثيل المنطقة والدفاع عن مصالحها داخل المؤسسات المنتخبة.

ويضاف إلى ذلك عامل الوعي السياسي، الذي يرى بعض المتابعين أنه يشكل أحد العناصر المفسرة للإقبال على صناديق الاقتراع، إلى جانب التعبئة الاجتماعية التي تسبق يوم التصويت.

وبالتالي، فإن ارتفاع المشاركة لا يمكن قراءته فقط من زاوية الانتماء الحزبي، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والمحلية.

الصحراء وصندوق الاقتراع.. رسالة سياسية أم ممارسة ديمقراطية؟

تمنح المشاركة الانتخابية المرتفعة في الأقاليم الجنوبية للصناديق الانتخابية بعداً يتجاوز المنافسة العادية بين الأحزاب والمرشحين، إذ يرى عدد من الفاعلين أن الإقبال على التصويت يعكس، من وجهة نظرهم، انخراط السكان في المؤسسات الوطنية وتشبثهم بالمشاركة في تدبير الشأن العام.

وفي الخطاب السياسي المغربي، تُقرأ هذه المشاركة أيضاً باعتبارها مؤشراً على حضور المؤسسات المنتخبة في الأقاليم الجنوبية، وعلى انخراط السكان في المسار الديمقراطي والمؤسساتي للمملكة.

ومع ذلك، فإن استمرار تسجيل نسب مرتفعة في الأقاليم الجنوبية يظل ظاهرة انتخابية لافتة تستحق المتابعة والتحليل، خصوصاً عندما تقارن بالأرقام المسجلة على المستوى الوطني.

رسالة لخصوم الوحدة الترابية للمملكة المغربية :

وبالنسبة إلى عدد من الفاعلين المحليين، فإن المشاركة المكثفة المرتقبة في الأقاليم الجنوبية لا تكتسي فقط طابعاً انتخابياً، وإنما تحمل أيضاً دلالة سياسية واضحة، باعتبارها رسالة إلى خصوم الوحدة الترابية للمملكة بأن سكان المنطقة يمارسون حقهم في اختيار ممثليهم والتعبير عن مواقفهم من خلال المؤسسات المنتخبة. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الإقبال على صناديق الاقتراع يبرز ارتباط سكان الأقاليم الجنوبية بالمسار المؤسساتي الوطني، ويشكل رداً عملياً على الخطابات التي تدعي تمثيلهم أو التحدث باسمهم خارج هذا المسار.

23 شتنبر.. هل تتجدد الأرقام المرتفعة؟

مع اقتراب موعد الاقتراع، تدخل الأقاليم الجنوبية مرحلة جديدة من التعبئة الانتخابية، في ظل تنافس حزبي ومحلي يسعى كل طرف خلاله إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين.

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التعبئة ستترجم يوم 23 شتنبر إلى نسب مشاركة مرتفعة مرة أخرى، وما إذا كانت الأقاليم الجنوبية ستواصل تصدر المشهد الوطني من حيث الإقبال على صناديق الاقتراع.

وبغض النظر عن نتائج المنافسة بين الأحزاب والمرشحين، فإن الرهان الأساسي يظل في تحويل المشاركة الانتخابية إلى اختيار واعٍ ومسؤول، يتيح للمواطنين تحديد ممثليهم ومساءلتهم لاحقاً حول مدى قدرتهم على الدفاع عن القضايا المحلية والوطنية داخل المؤسسات.

ففي نهاية المطاف، لا تقاس أهمية الانتخابات فقط بعدد الأصوات التي تُحصد، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ترجمة اختيارات المواطنين إلى سياسات وبرامج تستجيب لانتظاراتهم وتطلعاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى