إنتقال نزاع الصحراء المفتعل من إدارة الجمود إلى هندسة التسوية النهائية.

ليست المسألة الحاسمة في ملف الصحراء المفتعل عدد الإعترافات والمواقف الدولية المؤيدة لسيادة المغرب على الإقليم، بل القدرة على تحويل هذا الرصيد الدبلوماسي إلى مسار تفاوضي ينتهي بتسوية قابلة للتنفيذ والإستمرار. من هنا تكتسب الدعوة إلى دبلوماسية المبادرة وجاهتها، فالمكاسب السياسية لا تتحول بشكل تلقائي إلى ترتيبات قانونية ومؤسساتية وأمنية، كما أن تراجع جاذبية بعض خيارات التسوية لا يعني إختفاء أصحابها أو زوال قدرتهم على تعطيل البدائل. ليبقى السؤال الأدق ليس ما إذا كانت مبادرة الحكم الذاتي قد عززت موقعها الدولي، بل كيف يمكن ترجمة هذا الموقع إلى اتفاق يجمع بين الموقف المغربي من السيادة، ومتطلبات المشروعية الدولية، وضمانات المشاركة والقبول لدى الطرف الآخر، فضلا عن معالجة البعد الإقليمي للنزاع وفي مقدمته دور الجزائر.
وبالرجوع الى ما قدم كتقرير للأمين العام للأمم المتحدة، تبدو دلالته الأهم في الإنتقال من تبادل المواقف العامة إلى مناقشة ترتيبات إنتقالية ومؤسساتية وأمنية. فالمباحثات تناولت مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي وتقاسم الموارد والمصالحة والترتيبات الإنتخابية ونزع السلاح وإعادة الإدماج، وكلها نقاط تشير إلى تطور نوعي في طبيعة النقاش. فالتفاوض على صلاحيات المؤسسات وضمانات تنفيذ الإتفاق يختلف عن الاكتفاء بإعادة إعلان المواقف الأصلية.
غير أن الانتقال إلى بحث آليات التسوية لا يساوي الاتفاق عليها. فقد تدخل الأطراف في مفاوضات تفصيلية لاختبار نيات خصومها، أو لتجنب تحمل مسؤولية التعطيل أو لتحسين شروطها. لذلك ينبغي التمييز بين اعتماد الحكم الذاتي كأساس وحيد للنقاش، وقبوله كذلك كحل نهائي على خيار بعده مع الاتفاق على مضمونه. من هذا المنطلق تظهر أهمية الدور الأمريكي وحدوده معا، فالولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير معتبرة من علاقاتها الثنائية إلى وزنها داخل مجلس الأمن وقدرتها على تقديم حوافز سياسية وإقتصادية. كما أن الإعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء المعلن سنة 2020، يمثل مرجعية مهمة لفهم توقعات الرباط من واشنطن. لكنه يظل من الناحية القانونية موقف دولة ولا يحل بمفرده محل تسوية أممية أو إتفاق بين الأطراف.
وعليه فإن مطالبة واشنطن بالإنتقال من نقل المواقف إلى صناعة التوافق مطالبة سياسية مفهومة، لكنها تصبح أقل دقة عندما تصاغ باعتبار أن الولايات المتحدة تستطيع تقديم “قراءة نهائية” يمكن فرضها على الجميع. فالموقف الأمريكي لا ينسخ قرارات مجلس الأمن تلقائيا، كما أن القدرة على الضغط لا تعني القدرة على ضمان تنفيذ تسوية غير مقبولة لدى الأطراف المؤثرة في النزاع المفتعل. ليبقى الأمر الأكثر واقعية هو مطالبتها بتحويل موقفها إلى دبلوماسية تنفيذية تضييق فجوات الخلاف وتربط الحوافز بالتقدم وتحدد إلتزامات واضحة وتدعم ضمانات قابلة للمراقبة.
وليس وصف الدور الأمريكي بأنه يدور في حلقة مفرغة استنتاج يمكن إستخلاصه من مجرد عرضه مواقف المغرب والجزائر أو بوليساريو. فالوسيط قد ينقل مواقف متعارضة بشكل علني بينما يعمل على تقليصها حين التفاوض. وبحسب ذات التقرير، فإن الاشتغال الأممي الأمريكي على إتفاق إطار إنتقالي يدل على دور يتجاوز المتابعة الوصفية ويصبح معيار الحكم عليه هو ما ينتجه من التزامات مستقبلية لا فقط لغة التصريحات لوحدها.من هنا يضل المقترح المغربي بالحكم الذاتي لإقليم الصحراء هو أعلى أشكال تقرير المصير، لكونه يحمل قوة خطابية أكثر و يعكس ترتيب قانوني مستقر. ويبقى الأقوى دفاعا عن المبادرة المغربية هو القول إنه حكم ذاتي حقيقي بصلاحيات واضحة وضمانات فعالة ومشاركة حرة للسكان، كما يمكن أن يشكل صيغة عملية لتسوية النزاع وتحقيق مضمون معتبر من تقرير المصير.
وتفيد تقرير السيد الأمين العام بأنه لم يتخل عن هذا المبدأ، بل ربط البحث عن حل عملي باستشارة السكان مع العلم السؤال العالق من هي الساكنة هل ساكنة الصحراء المغربية أم ساكنة مخيمات تندوف المشكوك في أصولها وكذلك الضمانات الدولية المقدمة. وهذا التفصيل ليس هامشي لأنه يعني أن المعركة الدبلوماسية للمغرب حسمت في إسقاط مفهوم تقرير المصير الذي تتمسك به بوليساريو والجزائر من معادلة التسوية النهائية ، و لكونه يتجسد ضمن تسوية متفاوض عليها في إطار الحكم الذاتي باعتباره نظام للحكم تحت السيادة الكاملة للمملكة وليس مجرد عنوان سياسي.
وفي هذا الجانب فدور الجزائر يتطلب معالجة أكثر دقة من ثنائية الإنكار أو الإختزال. فالجزائر فاعل إقليمي محوري بحكم إستضافتها مخيمات تندوف وعلاقاتها ببوليساريو وتأثيرها في البيئة السياسية والأمنية للنزاع. ولا تبدو تسوية مستقرة مرجحة من دون تعاونها، أو على الأقل من دون إلتزامها بعدم عرقلتها وهي حقيقة ظهرت للمنتظم الدولي مع القرار 2797 الذي أكد أن المسار الأممي لتسوية نزاع الصحراء أصبح تفاوضي ثنائي وحصري بين المغرب والجزائر.
ليبقى الموقف المغربي اليوم ونحن في شهر أكتوبر هو المطالبة بمسؤوليات جزائرية محددة وقابلة للتحقق في أي إتفاق خاصة ما يتصل بالأمن وحركة الأشخاص وتنفيذ الترتيبات المتعلقة بتفكيك المخيمات ونزع السلاح . ووجب التأكيد أن توزع ذوي الأصول الصحراوية وتنوع إنتماءاتهم يبرزان تعقيد تحديد الجسم الإنتخابي، لكنهما لا ينتجان وبشكل تلقائي معيار بديل متفق عليه. فضلا على أن الإحصاء الإسباني لم يقدم تعريف شامل للهوية الصحراوية، وإن سبق أن أستخدم كمرجع إجرائي في مسار تحديد الهوية. أما التحولات السكانية فتطرح أسئلة إضافية حول التمثيل والحقوق ولا تحسمها بذاتها. والحجة الأكثر تماسكا هي أن الصيغة السابقة للإستفتاء لم تنجح في إنتاج آلية متوافق عليها، بما يبرر البحث عن تسوية بديلة تحافظ على المشاركة الحرة بدلا من إفتراض سقوط الحاجة إليها. لتبلغ ضرورة التدقيق أقصاها عند الحديث عن سكان مخيمات تندوف.
كما جاء التقرير بوجوب تمديد ولاية المينورسو إلى أكتوبر 2027 ، وهو تمديد يوحي بأن أي إنتقال سياسي سيظل محتاجا إلى ترتيبات للإستقرار والمراقبة. وهنا تصبح مراجعة وظيفة البعثة جزء من التسوية،غير أن تغيير ولايتها يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، ولا ينتج بشكل تلقائي عن توصية الأمين العام أو تطور المفاوضات.
ختاما، إن دبلوماسية المبادرة وتثمين الإعترافات الدولية يشكلان رافعتين مهمتين للموقف المغربي وضمانة آلية للحسم النهائي للنزاع المفتعل. وتتعزز فعاليتهما حين تقترنان بعرض مؤسساتي مفصل وضمانات قابلة للتحقق ومشاركة السكانة والتزامات إقليمية واضحة خاصة من الجزائر الطرف الأصلي. ليبقى ما ورد بتقرير الأمين العام تأكيد لتحول أهم في التسوية و إعلان نهائي للنزاع، من خلال إختبار قابلية الحكم الذاتي للتحول من مقترح سياسي إلى نظام نهائي متفاوض عليه. وعندئذ تكون مهمة واشنطن المساعدة على بناء إتفاق قابل للحياة، ومهمة الجزائر تحمل مسؤولياتها التاريخية في إنجاح عملية التسوية النهائية.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية




