Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

حكومة بوجوه مألوفة: نبيل بنعبد الله وشرفات أفيلال.. هل عقمت كفاءات التقدم والاشتراكية؟

الدار/ إيمان العلوي

في لحظة سياسية مفصلية، تزامناً مع تعيين الملك محمد السادس أعضاء الحكومة الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، يعود حزب التقدم والاشتراكية إلى واجهة النقاش من زاوية تتجاوز حصته في التشكيلة الحكومية أو طبيعة الحقائب التي آلت إليه، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً وإحراجاً: أين اختفت الأسماء الجديدة داخل حزب اعتاد تقديم نفسه باعتباره قوة سياسية مؤمنة بالتقدم والتغيير؟

إن عودة نبيل بنعبد الله إلى مقاعد الحكومة، إلى جانب شرفات أفيلال، تعيد فتح ملف تجديد النخب داخل الحزب، وتضع قيادته أمام مساءلة تتعلق بمدى قدرتها على تجاوز دائرة الأسماء التي ألفها المغاربة في المشهد السياسي، وإفساح المجال أمام كفاءات أخرى قد تكون راكمت تجارب مهنية وأكاديمية وتنظيمية، لكنها لم تجد طريقها إلى مواقع القرار.

ليس المقصود هنا إصدار حكم مسبق على الأشخاص أو التقليل من التجارب التي راكموها في العمل السياسي والحكومي، وإنما مساءلة منطق الاختيار ذاته. فالأحزاب التي تطمح إلى التأثير في مستقبل البلاد لا يكفيها أن تحافظ على قياداتها التاريخية، بل يتعين عليها أن تثبت قدرتها على إنتاج بدائل، وتكوين أجيال جديدة، وتحويل رصيدها التنظيمي إلى قوة اقتراحية قادرة على تجديد مؤسسات الدولة.

ومن هذه الزاوية، تبدو المسألة أكبر من مجرد تعيين وزير أو استعادة اسم سبق أن تحمل المسؤولية. إنها تتصل بصورة الحزب أمام الرأي العام، وبقدرته على إقناع المواطنين بأن مؤسساته التنظيمية ليست فضاءً مغلقاً على الوجوه ذاتها، وأن التداول على المسؤولية ليس مجرد شعار يرفع في المؤتمرات، بل ممارسة فعلية تبدأ من داخل التنظيم قبل أن تمتد إلى تدبير الشأن العام.

لقد تغير المغرب، وتغيرت معه طبيعة الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية. فهناك جيل جديد من الكفاءات التي راكمت خبرات في مجالات التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا والتدبير العمومي والعلاقات الدولية، وهناك حاجة متزايدة إلى نخب سياسية تستطيع الجمع بين المعرفة المتخصصة والحس المؤسساتي والقدرة على التواصل مع المواطنين. وفي ظل هذه التحولات، يصبح من المشروع التساؤل عن المعايير التي تحكم اختيار الأسماء المرشحة لتولي المسؤوليات الحكومية، وعن المساحة التي تمنحها الأحزاب لطاقاتها الجديدة.

وبالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية تحديداً، فإن السؤال يكتسب دلالة خاصة بالنظر إلى مرجعيته السياسية والخطاب الذي يتبناه بشأن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتحديث. فكيف يمكن لحزب يدافع عن تجديد المجتمع وتوسيع المشاركة أن يتفادى، في الوقت نفسه، تقديم صورة واضحة عن تجديد نخبته القيادية؟ وهل تكفي التجربة السياسية السابقة وحدها لتبرير العودة المتكررة إلى الأسماء المألوفة، أم أن المرحلة تقتضي فتح الباب أمام وجوه جديدة قادرة على تقديم تصورات مختلفة وأدوات تدبير أكثر التصاقاً بتحولات المجتمع؟

لا شك أن الخبرة الحكومية تظل عنصراً مهماً في اختيار الوزراء، وأن الاستوزار ليس مكافأة تمنح على أساس السن أو الجدة أو الانتماء إلى جيل معين. لكن الخبرة نفسها لا ينبغي أن تتحول إلى دائرة مغلقة، ولا أن تصبح معياراً يستبعد عملياً كل من لم تتح له فرصة سابقة للجلوس حول طاولة الحكومة. فالكفاءات لا تولد وزراء، وإنما تكتسب جزءاً من خبرتها حين تمنحها المؤسسات الثقة والمسؤولية.

ومن هنا، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بنبيل بنعبد الله أو شرفات أفيلال، بل بالمنظومة الحزبية التي تنتج الترشيحات وتحدد الأولويات وتقرر من يمثل الحزب داخل الجهاز التنفيذي. فإذا كان التقدم والاشتراكية يتوفر على أطر مؤهلة في مجالات متعددة، فإن إبراز هذه الكفاءات وإشراكها في تحمل المسؤولية يصبحان اختباراً حقيقياً لقدرته على التطور. أما إذا كانت دائرة الأسماء المرشحة تظل محدودة، فإن الأمر يستدعي مراجعة جدية لآليات التأطير والتكوين وصناعة القيادات.

والحال أن المشاركة الحكومية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها امتيازاً تنظيمياً أو مناسبة لتكريس التوازنات الداخلية، بل باعتبارها مسؤولية مباشرة أمام المواطنين. فالوزير مطالب بتحقيق نتائج ملموسة، والحزب مطالب بتقديم كفاءات قادرة على تحويل برنامجه إلى سياسات عمومية، والقيادة مطالبة بإثبات أن استمرارها لا يأتي على حساب تجدد المؤسسة.

إن الأحزاب التي تنجح في تجديد نفسها لا تتخلى بالضرورة عن قياداتها المجربة، وإنما تحسن توظيف خبرتها، وتفتح في الوقت ذاته المجال أمام طاقات جديدة، في إطار من التنافس الداخلي وتكافؤ الفرص. أما حين تصبح الأسماء المعروفة هي الخيار المتكرر في كل استحقاق، فإن السؤال ينتقل تلقائياً من أهلية الأفراد إلى طبيعة النظام التنظيمي الذي يعيد إنتاج الاختيارات نفسها.

اليوم، لا يحتاج حزب التقدم والاشتراكية إلى الاكتفاء بالدفاع عن اختياراته، بقدر ما يحتاج إلى إقناع الرأي العام بأن لديه ما يتجاوز الأسماء التي اعتادها المشهد السياسي. فالتجديد لا يتحقق بتغيير الخطاب وحده، وإنما بفتح الأبواب أمام الكفاءات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وإثبات أن الحزب قادر على تقديم بدائل حقيقية في الأشخاص والأفكار وأساليب التدبير.

فهل يملك التقدم والاشتراكية مخزوناً من الأطر القادرة على تولي المسؤولية الحكومية، لكنه لم يمنحها فرصتها بعد؟ أم أن أزمة التجديد داخل الحزب أعمق مما توحي به مجرد تركيبة حكومية؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً للنقاش، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتقييمات الشخصية. فالحياة الحزبية لا تتقدم بتكريس الأسماء وحدها، ولا بإقصائها لمجرد أنها مألوفة، بل بقدرة المؤسسات على تجديد نفسها، وتقديم الكفاءة على الاعتبارات الضيقة، وإثبات أن التقدم الذي تحمله في اسمها يمكن أن يتحول إلى ممارسة داخل تنظيمها قبل أن يصبح وعداً للمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى