من «السميك» إلى وزارة الأسرة.. هل استنفد الأصالة والمعاصرة كفاءاته حتى اختار نجوى كوكوس؟

الدار/ إيمان العلوي
حين تتحول الحقائب الوزارية إلى موضوع للتساؤل، لا يعود النقاش متعلقاً بالأسماء وحدها، بل بالمعايير التي تحكم الاختيار، ومدى انسجام المسؤولية المسندة مع انتظارات المواطنين.
لم تكن نجوى كوكوس، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، في حاجة إلى حقيبة وزارية كي تصبح موضوعاً للنقاش العمومي؛ فقد سبق أن أثارت تصريحاتها بشأن الحد الأدنى للأجور جدلاً واسعاً، أعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول مدى إلمام بعض الفاعلين السياسيين بالتفاصيل الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل صلب معاناة المواطنين. لكن تعيينها، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، وزيرة للأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، نقل هذا النقاش من دائرة التصريحات إلى فضاء المسؤولية التنفيذية.
فالمغاربة الذين تابعوا الجدل المرتبط بتصريحها حول الحد الأدنى للأجور وجدوا أنفسهم أمام مفارقة سياسية تستحق التوقف: شخصية ارتبط اسمها بنقاش حول معطى اجتماعي بالغ الحساسية، تصبح اليوم مسؤولة عن قطاع يقع في قلب السياسات الاجتماعية، ويتصل بأوضاع الأسر المغربية، وحماية الفئات الهشة، وقضايا المرأة والمساواة، والتحديات التي تواجه الفئات التي لا تجد في دخلها ما يكفي لمواجهة تكاليف الحياة.
ليس المقصود هنا تحويل تصريح واحد إلى حكم نهائي على المسار السياسي لنجوى كوكوس، ولا اختزال إمكاناتها في واقعة أثارت الانتقاد، وإنما مساءلة الاختيار نفسه. فالوزارة ليست امتداداً طبيعياً للمواقع التنظيمية داخل الأحزاب، كما أن القرب من دوائر القرار الحزبي لا يكفي، في حد ذاته، لتفسير إسناد مسؤولية حكومية تتطلب معرفة دقيقة بالتشريعات الاجتماعية، وفهماً عميقاً لاختلالات الواقع، وقدرة على تحويل الوعود السياسية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ألم يكن داخل حزب الأصالة والمعاصرة من الكفاءات السياسية والجامعية والمهنية ما يسمح باختيار شخصية أخرى لهذه الحقيبة؟
إنه سؤال مشروع لا يستهدف التقليل من شأن أي شخص، بقدر ما يضع الحزب أمام مسؤوليته في شرح معايير انتقاء ممثليه داخل الحكومة. فالحزب الذي تصدر الانتخابات التشريعية، وقاد مفاوضات تشكيل الأغلبية، وتحمل مسؤولية تقديم رئيسة الحكومة، مطالب بأن يترجم موقعه السياسي إلى اختيارات تستجيب لانتظارات الناخبين، لا أن يترك المجال مفتوحاً أمام الانطباع بأن التوازنات التنظيمية قد تتقدم أحياناً على اعتبارات الخبرة والتخصص.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة الوزارة التي أُسندت إلى كوكوس. فوزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة ليست قطاعاً بروتوكولياً، ولا حقيبة يمكن اختزالها في الخطاب المناسباتي أو المشاركة في الأنشطة الرسمية. إنها مسؤولية تتطلب الإلمام بالسياسات الموجهة إلى الأسر محدودة الدخل، وبآليات الحماية الاجتماعية، وبأوضاع النساء اللواتي يواجهن الهشاشة الاقتصادية، وبالتحديات المرتبطة بالإعاقة والطفولة والإدماج الاجتماعي، فضلاً عن التنسيق مع مؤسسات الدولة والفاعلين المدنيين لضمان وصول البرامج إلى مستحقيها.
إن الملفات التي تنتظر الوزيرة الجديدة لا تحتمل الارتجال، لأن نتائجها تنعكس مباشرة على حياة المواطنين. والأسرة التي تعجز عن تغطية نفقات أبنائها لا تنتظر من الوزارة بلاغات مطولة، بل تبحث عن سياسات ناجعة. والمرأة التي تواجه الإقصاء الاقتصادي لا يكفيها أن تسمع خطابات عن المساواة، وإنما تحتاج إلى فرص حقيقية للحماية والتمكين. أما الفئات الهشة، فلا تقيس أداء المسؤولين بعدد الوعود، بل بمدى تحسن أوضاعها على أرض الواقع.
ولذلك، فإن الجدل الذي رافق تصريحات كوكوس بشأن الحد الأدنى للأجور لم يكن مجرد سجال حول رقم، بل أعاد طرح مسألة أوسع: مدى استحضار بعض المسؤولين للواقع المعيشي الذي يعيشه المغاربة. فالحد الأدنى للأجر ليس مصطلحاً تقنياً معزولاً عن الحياة اليومية، وإنما مؤشر يرتبط بالقدرة الشرائية، وبالكرامة الاجتماعية، وبقدرة الأجراء على مواجهة التزاماتهم الأساسية. ومن يتولى مسؤولية سياسية، خصوصاً في مجال يرتبط بالشأن الاجتماعي، مطالب بأن يتعامل مع هذه المعطيات بالدقة التي تستحقها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين الانتقاد المشروع لتصريح أو اختيار سياسي، وبين إصدار حكم مسبق على أداء وزاري لم يبدأ بعد. فالتعيين لا يثبت الكفاءة تلقائياً، كما أن الجدل السابق لا يثبت العجز بصورة نهائية. وما سيحسم النقاش في نهاية المطاف هو أداء الوزيرة، ومدى قدرتها على استيعاب الملفات المسندة إليها، وجودة القرارات التي ستتخذها، والنتائج التي ستقدمها للرأي العام.
لكن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإغلاق باب المساءلة. فمن حق المواطنين أن يعرفوا لماذا اختار حزب الأصالة والمعاصرة هذه الشخصية تحديداً، وما المؤهلات والخبرات التي رجحت كفتها، وما التصور الذي تحمله لتطوير السياسات الاجتماعية. ومن حقهم أيضاً أن يتساءلوا عما إذا كانت هناك أسماء أخرى داخل الحزب، أو خارجه، تتوفر على خبرة مهنية أو أكاديمية أكثر ارتباطاً بطبيعة هذه المسؤولية.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، في ضمان أن يكون العمل الحكومي محكوماً بمعايير الإنجاز والفعالية، وأن تتحول التعيينات إلى مدخل لمعالجة المشكلات، لا إلى مناسبة لتجدد الجدل حول التوازنات الحزبية. فنجاح الحكومة لن يقاس فقط بهوية الأحزاب المشاركة فيها، ولا بتركيبة فريقها، وإنما بقدرتها على تقديم أجوبة عملية عن الأسئلة التي تؤرق المغاربة، من التشغيل والقدرة الشرائية إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
كما أن تمثيلية النساء في الحكومة، على أهميتها السياسية والمؤسساتية، لا ينبغي أن تُطرح في مواجهة الكفاءة أو أن تتحول إلى بديل عنها. فالمطلوب هو الجمع بين توسيع مشاركة النساء في مواقع القرار، واعتماد معايير واضحة في اختيار المسؤولات والمسؤولين، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات. والمرأة المغربية التي وصلت إلى مواقع المسؤولية تستحق أن تُقيّم وفق أدائها، مثلما يستحق كل مسؤول أن يخضع للمعايير نفسها.
وفي حالة نجوى كوكوس، سيكون التحدي الأول هو الانتقال من دائرة الجدل إلى دائرة العمل، وإثبات أن المسؤولية الجديدة تتيح لها تقديم قيمة مضافة للسياسات الاجتماعية. وسيكون عليها أن تقدم تصوراً واضحاً لأولويات وزارتها، وأن تشرح كيف ستتعامل مع الملفات العالقة، وما المؤشرات التي ستعتمدها لقياس التقدم، وكيف ستضمن وصول البرامج إلى الأسر والفئات التي تحتاج فعلاً إلى الدعم.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فإن السؤال الذي يواجهه يتجاوز اسم وزيرة بعينها: هل نجح في تحويل رصيده الانتخابي والتنظيمي إلى اختيار حكومي يستحضر، بالقدر نفسه، الخبرة والقدرة على الإنجاز؟ وهل كانت نجوى كوكوس بالفعل الخيار الذي لا بديل عنه لهذه الحقيبة، أم أن الحزب كان يملك خيارات أخرى لم تُمنح الفرصة الكافية؟
إنها أسئلة لا تجيب عنها الشعارات، ولا تحسمها الولاءات الحزبية، بل تحتاج إلى شفافية في عرض المعايير، وإلى نتائج عملية تبرر الاختيارات أمام الرأي العام.
فالاستوزار ليس نهاية النقاش، وإنما بدايته. والوزارة ليست امتيازاً شخصياً، بل تكليف تترتب عليه مسؤوليات سياسية واجتماعية. وبين الجدل الذي سبق التعيين والانتظارات التي تليه، تجد نجوى كوكوس نفسها أمام امتحان حقيقي عنوانه القدرة على الإقناع بالفعل، لا بالكلام.
وفي النهاية، قد تنجح الوزيرة الجديدة في تبديد الانتقادات من خلال أداء مقنع، وقد تعيد الأيام طرح الأسئلة نفسها بصورة أكثر إلحاحاً. لكن المؤكد أن حزب الأصالة والمعاصرة، وهو يتولى قيادة الحكومة، لم يعد يملك ترف التعامل مع اختياراته الوزارية باعتبارها شأناً داخلياً؛ لأن كل حقيبة تُسند باسمه أصبحت جزءاً من مسؤوليته أمام المغاربة.




