الناظور غرب المتوسط على موعد مع مشروع طاقي ضخم.. استثمار بـ239 مليون دولار لإنتاج وقود الطائرات الأخضر

الدار/ سارة الوكيلي
يخطو المغرب نحو توسيع رهاناته في مجال الطاقات النظيفة، من خلال مشروع صناعي مرتقب لإنتاج وقود الطيران المستدام بمنطقة بطويا الصناعية التابعة لميناء الناظور غرب المتوسط، في خطوة قد تعزز موقع المملكة ضمن التحولات العالمية التي يشهدها قطاع النقل الجوي، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمارات الدولية في الاقتصاد الأخضر.
ويستند المشروع، الذي تقوده شركة Green Sky Capital القطرية، إلى استثمار تقدر قيمته بنحو 239 مليون دولار، مع قدرة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 200 ألف طن سنوياً. ويحظى بمشاركة رأسمال قطري عبر مجموعة «المانع» (Al Mana Holding)، إلى جانب استثمارات سعودية من خلال شركة «فيجن إنفست» (Vision Invest)، بما يعكس الاهتمام الخليجي المتزايد بالفرص الصناعية والطاقية التي يتيحها المغرب.
وتكمن أهمية هذا المشروع في طبيعة المنتج الذي يستهدف تصنيعه، إذ يتعلق بوقود الطيران المستدام (SAF)، الذي يشكل أحد الخيارات المطروحة عالمياً للحد من البصمة الكربونية لقطاع الطيران، الذي يواجه ضغوطاً متنامية للانتقال إلى أنماط تشغيل أكثر استدامة، دون التخلي عن متطلبات السلامة والكفاءة التشغيلية.
وبحسب المعطيات المعلنة، يرتقب أن تعتمد المنشأة الصناعية على تقنية Vegan-HEFA التابعة لشركة Axens، التي تتيح تحويل الزيوت المستعملة والشحوم والدهون المتبقية إلى وقود طيران مستدام قابل للاستخدام ضمن منظومة الوقود الحالية، وفق المواصفات الفنية المعتمدة. ويمنح هذا التوجه بعداً إضافياً للمشروع، من خلال تثمين بعض المخلفات وتحويلها إلى مواد ذات قيمة اقتصادية، بدل التعامل معها باعتبارها نفايات فقط.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على حجم الاستثمار أو الطاقة الإنتاجية المرتقبة، بل تمتد إلى موقعها داخل المنظومة الصناعية واللوجستية التي يجري تطويرها حول الناظور غرب المتوسط. فالمشروع، في حال انتقاله إلى مرحلة التنفيذ، يمكن أن يساهم في تنويع الأنشطة الصناعية بالمنطقة، واستقطاب استثمارات مرتبطة بالتكنولوجيا النظيفة، وتعزيز فرص اندماج المغرب في سلاسل القيمة الدولية المرتبطة بالطاقة منخفضة الكربون.
كما أن وجود منشأة بهذا الحجم قد يفتح المجال أمام تطوير أنشطة موازية تشمل جمع الزيوت المستعملة ومعالجتها ونقلها، فضلاً عن الحاجة إلى كفاءات تقنية وصناعية متخصصة. غير أن الأثر الفعلي على التشغيل المحلي والاقتصاد الوطني سيظل مرتبطاً بالتفاصيل النهائية للمشروع، وبمدى اعتماد سلسلة التوريد على الموارد والخدمات المتاحة داخل المغرب.
وفي هذا السياق، كشف إشعار منشور عن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بتاريخ 14 أكتوبر 2026 عن دراسة إمكانية المساهمة في تمويل المشروع بقرض قد يصل إلى 105 ملايين دولار، مع احتمال الاستفادة من دعم إضافي عبر صندوق المناخ الأخضر والاتحاد الأوروبي. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن عرض التمويل مرشح للمصادقة خلال اجتماع متوقع لمجلس إدارة البنك في 18 نونبر 2026.
ويعكس دخول مؤسسة مالية دولية بهذا الحجم على خط دراسة التمويل أهمية المعايير البيئية والاقتصادية في تقييم المشروع، لكنه لا يعني أن التمويل حُسم بصورة نهائية أو أن المنشأة حصلت على الضوء الأخضر لبدء الأشغال.
وتفرض هذه النقطة التمييز بين الطموح الاستثماري والإنجاز الفعلي؛ فالمشروع لا يزال، وفق المعطيات المتاحة، في مرحلة الاستكشاف والتقييم، ولم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ المؤكد. كما أن نجاحه سيظل رهيناً بتأمين التمويل النهائي، واستكمال الموافقات المطلوبة، وضمان توفر المواد الأولية بكميات منتظمة، فضلاً عن القدرة على إنتاج وقود يستجيب للمعايير التقنية والبيئية الدولية وبكلفة تنافسية.
وإذا تحقق هذا المشروع وفق الأهداف المعلنة، فقد يصبح من بين المنشآت التجارية الأولى من نوعها في المغرب وشمال إفريقيا، بما يمنح المملكة فرصة لتعزيز حضورها في سوق دولية مرشحة لمزيد من الاهتمام مع تشديد الالتزامات المناخية على شركات الطيران.
وبذلك، لا يتعلق الرهان المغربي بمجرد إقامة مصنع جديد، بل بإمكانية تحويل موقع الناظور غرب المتوسط إلى منصة صناعية تستفيد من التقاطع بين الاستثمار الخليجي والتكنولوجيا الأوروبية والطلب العالمي على حلول طاقية أكثر استدامة. وهي فرصة واعدة، لكن قيمتها الحقيقية ستتحدد بمدى انتقال المشروع من مرحلة الدراسات والإعلانات الاستثمارية إلى الإنتاج الفعلي، وما سيحققه من قيمة مضافة وفرص اقتصادية داخل المغرب.




