Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

ابن كيران والملكية المغربية.. من يمنح نفسه حق الحديث باسم مخاوف المغاربة؟

الدار/ افتتاحية

حين يتعلق الأمر بالملكية المغربية، فإن النقاش يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والمزايدات الانتخابية العابرة، ليصل إلى صميم التاريخ السياسي للمغرب، وإلى مؤسسة ارتبطت باستمرارية الدولة ووحدتها ورمزيتها. ومن هنا، فإن استحضار احتمال تهديد الملكية أو التخويف من مستقبلها في سياق الصراع بين الأحزاب يستدعي قدرا كبيرا من المسؤولية السياسية، بعيدا عن لغة التهويل واستثمار المخاوف.

عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ليس سياسيا هامشيا، بل شخصية تولت مسؤولية قيادة الحكومة لسنوات، وتعرف جيدا طبيعة النظام الدستوري المغربي وحدود العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسة الملكية. ولذلك، فإن كل حديث يصدر عنه بشأن استقرار البلاد أو مستقبل الملكية يكتسب وزنا سياسيا وإعلاميا، لكنه يضعه أيضا أمام سؤال جوهري: هل المطلوب من الخطاب السياسي أن يطمئن المغاربة إلى مؤسسات بلدهم، أم أن تتحول المخاوف بشأن استقرارها إلى ورقة في تدافع الأحزاب وتنافسها على السلطة؟

إن المغرب ليس دولة وليدة ظرف سياسي عابر، ولا كيانا يمكن اختزال استقراره في نتائج انتخابات أو في صعود حزب وتراجع آخر. إنه بلد عريق، يمتلك تاريخا طويلا من الاستمرارية السياسية والحضارية، وتحتل فيه الملكية مكانة مركزية في بناء الدولة وصيانة وحدتها. وقد أكد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية في أكتوبر 2026 أن المغرب من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة تعد من أقدم الملكيات في التاريخ.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن مخاوف تهدد الملكية لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة قوية في لقاء خطابي، بل موضوعا يستوجب التمييز بين التحليل المسؤول والتوظيف السياسي. فإذا كان هناك خطر حقيقي، فما مظاهره الملموسة؟ وما الوقائع التي يستند إليها هذا التقدير؟ أما إذا كان المقصود هو التحذير من تداعيات الاحتقان الاجتماعي أو من سوء تدبير الشأن العام، فإن الطريق إلى مناقشة هذه القضايا يمر عبر الأرقام والسياسات العمومية والمحاسبة الديمقراطية، لا عبر توسيع دائرة التخويف إلى مؤسسة تتجاوز في رمزيتها التنافس الحزبي اليومي.

وليس من الإنصاف، في المقابل، تجاهل أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قد تثير أسئلة مشروعة حول الأسعار وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية. فالمغاربة من حقهم أن ينتقدوا الحكومة، وأن يحاسبوا المنتخبين، وأن يطالبوا بإصلاحات ملموسة. لكن معالجة هذه الملفات لا تستلزم بالضرورة تصوير مستقبل الملكية باعتباره موضع تهديد، ولا تبرر تحويل الخلاف مع خصم سياسي إلى خطاب يوحي بأن استقرار الدولة على المحك في كل محطة انتخابية.

إن قوة المغرب تكمن في قدرته على استيعاب الاختلافات السياسية والاجتماعية داخل مؤسساته، وفي استمرار النقاش حول الإصلاح دون المساس بوحدة البلاد. والملكية المغربية، بما راكمته من امتداد تاريخي ورمزية وطنية، لا ينبغي أن تكون موضوعا للمزايدة أو أداة لتصفية الحسابات بين الأحزاب، بل إطارا دستوريا ووطنيا يقتضي من جميع الفاعلين السياسيين التحلي بالمسؤولية والوضوح.

أما ابن كيران، الذي سبق أن أكد علنا أن الملكية تحظى بإجماع المغاربة، وفق ما نقله الموقع الرسمي لحزبه في شتنبر 2026، فإنه مطالب بأن يوضح للرأي العام الفارق بين الدفاع عن الملكية والتحذير من مخاطر مزعومة تحيط بها، وبين انتقاد التدبير الحكومي المشروع سياسيا ودستوريا.

فالتصريحات السياسية لا تُقاس فقط بقوة وقعها، وإنما أيضا بمدى دقتها، وبما تتركه من أثر في النقاش العمومي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يملك حق الحديث عن الملكية، فالنقاش العام حق مكفول في إطار الدستور، بل من يملك المعطيات الكافية لتقديم مخاوفه باعتبارها حقيقة سياسية؟ ومن يحدد إن كانت تلك المخاوف تعكس وقائع ملموسة أم مجرد قراءة حزبية لمرحلة دقيقة؟

إن المغاربة ليسوا في حاجة إلى من يتحدث باسمهم في قضايا الولاء الوطني وكأن علاقتهم ببلدهم ومؤسساته تحتاج إلى وصاية سياسية. هم قادرون على التعبير عن مطالبهم، ومحاسبة حكوماتهم، والدفاع عن ثوابتهم الوطنية، كل ذلك في إطار احترام القانون والمؤسسات. كما أن الارتباط بالعرش العلوي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاحتكار الوطنية أو لتوزيع صكوك الولاء بين الفرقاء السياسيين.

إن المسؤولية السياسية تقتضي من ابن كيران، كما من غيره من قادة الأحزاب، أن يقدم للمغاربة ما هو أكثر من التحذيرات والعبارات المثيرة للجدل: برامج قابلة للتنفيذ، وحلولا للبطالة وغلاء المعيشة، ومواقف واضحة بشأن الإصلاح والحكامة. فاستقرار المغرب لا يُخدم بتضخيم المخاوف، وإنما بتقوية الثقة، واحترام المؤسسات، والإنصات إلى المواطنين، وربط الخطاب السياسي بالوقائع والمسؤولية.

المغرب أكبر من الحسابات الحزبية، وتاريخه أعمق من المناورات الانتخابية، ومستقبله يستحق خطابا يطمئن بالحجة والعمل، لا خطابا يضع المخاوف في صدارة المشهد دون أن يقدم ما يكفي لإثباتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى