سوق الشغل بالمغرب تحت ضغط جديد.. 173 ألف منصب شغل مفقود خلال فصل واحد والبطالة تقفز إلى 10.5%

الدار/ غيثة حفياني
كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الثالث من سنة 2026 عن مؤشرات مقلقة تعكس استمرار التحديات المرتبطة بالتشغيل، واتساع دائرة الهشاشة في سوق العمل، خصوصاً في صفوف الشباب والنساء، فضلاً عن تنامي الفوارق بين الجهات والوسطين الحضري والقروي.
وأظهرت نتائج البحث الجديد حول القوى العاملة أن الاقتصاد الوطني سجل تراجعاً صافياً بلغ 173 ألف منصب شغل مقابل دخل، مقارنة مع الفصل الثاني من السنة الجارية، ليستقر العدد الإجمالي للمشتغلين في حدود 10 ملايين و470 ألف شخص، مقابل 10 ملايين و643 ألفاً خلال الفصل السابق، أي بانخفاض نسبته 1.6 في المائة.
وفي مؤشر إضافي على صعوبة المرحلة، ارتفع معدل البطالة بالمفهوم الضيق إلى 10.5 في المائة، مقابل 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني، بزيادة قدرها نقطة مئوية تقريباً، فيما بلغ عدد العاطلين مليوناً و224 ألف شخص، بعدما ارتفع عددهم خلال ثلاثة أشهر بنحو 103 آلاف شخص.
ولا تقتصر الصورة التي ترسمها هذه الأرقام على البطالة بمفهومها التقليدي، إذ تكشف المؤشرات الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط عن اتساع أعمق للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، الذي يشمل إلى جانب العاطلين الأشخاص الذين يبحثون عن فرص عمل دون استيفاء جميع شروط البطالة، فضلاً عن العاملين الذين لا تتيح لهم وظائفهم ساعات العمل التي يرغبون فيها.
وفي هذا السياق، بلغ المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة 19.6 في المائة على المستوى الوطني، مقابل 18.9 في المائة خلال الفصل الثاني، بما يعكس استمرار اتساع الفجوة بين العرض والطلب في سوق الشغل، وصعوبة توفير فرص عمل تستجيب للحاجيات الفعلية للسكان في سن النشاط.
وتبرز خطورة هذه المؤشرات بشكل أكبر عند تفكيكها حسب الفئات العمرية والاجتماعية، حيث يظل الشباب الحلقة الأكثر تضرراً من اختلالات سوق العمل. فقد بلغ معدل البطالة في صفوف الفئة العمرية المتراوحة بين 15 و24 سنة 30.5 في المائة، بينما وصل المعدل المركب للاستخدام غير الكامل إلى 44.5 في المائة، وهو ما يعني أن ما يقارب نصف الشباب المعنيين بالقوى العاملة الموسعة يواجهون شكلاً من أشكال عدم الاستفادة الكاملة من فرص العمل.
أما النساء، فتواجه بدورهن تحديات مضاعفة، إذ استقر معدل البطالة في صفوفهن عند 16.7 في المائة، مقابل 8.7 في المائة لدى الرجال، فيما بلغ معدل الاستخدام غير الكامل 28.5 في المائة، مقابل 17 في المائة لدى الرجال. وتعكس هذه الفوارق استمرار الصعوبات التي تواجه النساء في الولوج إلى سوق الشغل والاستقرار المهني والاستفادة من فرص العمل المتاحة.
وتكشف المعطيات أيضاً عن ضعف المشاركة النسائية في النشاط الاقتصادي، حيث لم يتجاوز معدل مشاركة النساء في القوى العاملة 18.1 في المائة، مقابل 65.6 في المائة لدى الرجال، وهو فارق يعكس حجم التحدي المرتبط بتوسيع المشاركة الاقتصادية للنساء وتعزيز حضورهن في النسيج الإنتاجي الوطني.
وعلى مستوى توزيع الخسائر حسب القطاعات الاقتصادية، تحمل القطاع الفلاحي النصيب الأكبر من تراجع التشغيل، بعدما فقد 145 ألف منصب شغل صافٍ خلال الفترة الممتدة بين الفصلين الثاني والثالث، بانخفاض نسبته 5.6 في المائة. كما سجل قطاع الخدمات تراجعاً بنحو 96 ألف منصب، أي ما يعادل 1.8 في المائة، بينما فقد قطاع البناء ثلاثة آلاف منصب.
في المقابل، شكل القطاع الصناعي الاستثناء الإيجابي خلال هذه الفترة، بعدما تمكن من إحداث 69 ألف منصب شغل إضافي، بزيادة بلغت 4.8 في المائة، في مؤشر على استمرار قدرته على استيعاب جزء من اليد العاملة وتعزيز مساهمته في التشغيل.
ويظل قطاع الخدمات أكبر مشغل بالمغرب، باستقطابه أكثر من 5.15 ملايين شخص، أي ما يعادل 49.2 في المائة من مجموع المشتغلين مقابل دخل، يليه القطاع الفلاحي بنحو 2.42 مليون شخص، ثم الصناعة بحوالي 1.52 مليون، وقطاع البناء بأكثر من 1.35 مليون شخص.
وتكتسي الخسائر المسجلة في المجال الفلاحي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط هذا القطاع المباشر بالتشغيل في العالم القروي، حيث تراجع عدد المشتغلين مقابل دخل بـ148 ألف شخص، مقابل 25 ألفاً بالوسط الحضري. كما انخفض معدل الشغل مقابل دخل في القرى من 41.6 إلى 40 في المائة، وهو تراجع يعكس حجم الضغوط التي تواجه الأنشطة الاقتصادية القروية، ومدى تأثرها بالتقلبات التي تطبع النشاط الفلاحي.
أما على المستوى الجهوي، فتبرز الأرقام تفاوتات واضحة في مؤشرات التشغيل والبطالة، إذ سجلت جهة كلميم واد نون أعلى معدل مركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة بنسبة 38.7 في المائة، متبوعة بجهة الشرق بـ28.3 في المائة، ثم العيون الساقية الحمراء بـ27.4 في المائة، وفاس مكناس بـ25.9 في المائة، ودرعة تافيلالت بـ23.6 في المائة.
وفي المقابل، سجلت جهة الداخلة وادي الذهب أدنى معدل للاستخدام غير الكامل بنسبة 9.2 في المائة، تليها الرباط سلا القنيطرة بـ15.5 في المائة، ثم بني ملال خنيفرة بـ16.1 في المائة، بما يعكس تفاوتاً كبيراً في قدرة الجهات على استيعاب القوى العاملة وتوفير فرص الشغل.
وعلى مستوى البطالة بالمفهوم الضيق، تصدرت كلميم واد نون الجهات الأكثر تأثراً بنسبة 17.2 في المائة، تليها درعة تافيلالت بـ14.7 في المائة، ثم جهة الشرق بـ13.7 في المائة، والدار البيضاء سطات بـ13 في المائة، بينما سجلت الداخلة وادي الذهب أدنى معدل بنسبة 4.6 في المائة، تليها طنجة تطوان الحسيمة بـ6.8 في المائة وبني ملال خنيفرة بـ7.6 في المائة.
وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة اقتصادية ومجالية تستحق التوقف عندها، إذ لا ترتبط تحديات التشغيل فقط بحجم النشاط الاقتصادي، بل تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها طبيعة النسيج الإنتاجي، ومستوى الاستثمار، وخصوصيات سوق العمل، ومدى ملاءمة التكوين مع حاجيات المقاولات والقطاعات الاقتصادية.
وفي إطار تطوير آليات رصد هذه التحولات، اعتمدت المندوبية السامية للتخطيط البحث الجديد حول القوى العاملة، بديلاً عن البحث الوطني حول التشغيل، مع إدخال تغييرات منهجية ومفاهيمية تستند إلى المعايير الدولية المعتمدة في إحصائيات سوق الشغل. وشملت هذه الإصلاحات توسيع العينة السنوية إلى 135 ألف أسرة، وتحيين قاعدة المعاينة بالاستناد إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، فضلاً عن اعتماد نظام جديد لتناوب وحدات العينة، بما يسمح بتحسين دقة المؤشرات وتعميق تحليل التحولات الفصلية والسنوية.
كما وسع البحث الجديد نطاق قياس الاختلالات المرتبطة بسوق الشغل، من خلال اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد لا تكتفي بمعدل البطالة التقليدي، بل تشمل أيضاً القوى العاملة المحتملة والشغل الناقص المرتبط بمدة العمل، بما يوفر صورة أكثر شمولاً عن واقع التشغيل ومدى استفادة السكان من فرص العمل.
وتضع نتائج الفصل الثالث من سنة 2026 ملف التشغيل أمام تحديات متشابكة، تتجاوز مجرد تقليص أعداد العاطلين إلى ضرورة إحداث مناصب شغل مستدامة، وتحسين جودة العمل، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية، خصوصاً لدى النساء والشباب، فضلاً عن تقليص الفوارق المجالية وتعزيز قدرة القطاعات الإنتاجية على خلق فرص عمل منتظمة.
وبينما تكشف الأرقام عن تحسن نسبي في أداء القطاع الصناعي، فإن التراجع المسجل في الفلاحة والخدمات، وارتفاع البطالة والاستخدام غير الكامل، يؤكدان أن معركة التشغيل تظل من أبرز الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أمام المغرب، في أفق بناء سوق شغل أكثر قدرة على استيعاب الكفاءات وتحويل النمو والاستثمار إلى فرص عمل ملموسة ومستدامة.




