آمنة بوعياش من الأمم المتحدة: لا تنمية مستدامة ولا عدالة مناخية دون إعمال فعلي لحقوق الإنسان

أحمد البوحساني
في مداخلة بارزة من مقر الأمم المتحدة بنيويورك، دعت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئيسة التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، آمنة بوعياش، إلى جعل حقوق الإنسان البوصلة الأساسية للابتكار والتنمية المستدامة، مؤكدة أن مواجهة التحديات البيئية والمناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة يظلان رهينين بإدماج الحقوق والحريات في صلب السياسات العمومية والخيارات التنموية.
وجاءت تصريحات بوعياش خلال مشاركتها، مساء الثلاثاء 2 يونيو 2026، في لقاء دولي رسمي نظمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC) تحت شعار: «من الابتكار إلى الأثر: المقاربات القائمة على حقوق الإنسان من أجل تنفيذ حقيقي ومنصف لأهداف التنمية المستدامة».

وأكدت المسؤولة الحقوقية المغربية أن العالم لن يتمكن من بلوغ أهداف التنمية المستدامة أو التصدي بفعالية للأزمات البيئية والمناخية إذا استمرت المقاربات التي تفصل بين التنمية وحقوق الإنسان والعمل المناخي، معتبرة أن هذه القضايا تشكل منظومة مترابطة لا يمكن التعامل مع عناصرها بشكل منفصل.
وشددت بوعياش على أن التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة تفرض تحدياً عالمياً يتمثل في توجيه الابتكار نحو خدمة الإنسان وتعزيز العدالة الاجتماعية والبيئية، بدل تكريس مظاهر التفاوت والإقصاء. وأبرزت أن القيمة الحقيقية للابتكار لا تُقاس بحجم التقدم التقني فحسب، بل بقدرته على تحسين حياة الأفراد، وحماية الفئات الهشة، وترسيخ مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية.
وجاءت هذه المداخلة في إطار لقاء أشرفت على تنسيقه الشبكة الأممية المشتركة المعنية بحقوق الإنسان ومبدأ “عدم ترك أي أحد خلف الركب” والتنمية المستدامة، وذلك على هامش مشاركة بوعياش في الجلسة الافتتاحية رفيعة المستوى للمؤتمر السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وخلال تفاعلها مع المشاركين حول دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، أكدت رئيسة التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أن الابتكار ينبغي أن يظل أداة لخدمة الحقوق والحريات، وأن يسهم في تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، لا أن يتحول إلى عامل جديد لإنتاج الفوارق الاجتماعية.
كما أبرزت أن تجربة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة عززت قناعة راسخة مفادها أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن احترام حقوق الإنسان. وأوضحت أن التحديات البيئية والمناخية المتفاقمة دفعت هذه المؤسسات إلى توسيع مجالات تدخلها لتشمل قضايا البيئة والمناخ، بعد أن كانت تركز أساساً على حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وأضافت أن هذا التحول استدعى تطوير كفاءات جديدة واعتماد أدوات مبتكرة وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين على المستويين الوطني والدولي، مع التأكيد على أن حماية المدافعين عن البيئة تشكل جزءاً أساسياً من جهود تحقيق العدالة البيئية وضمان مشاركة المواطنين في صناعة القرار.
وفي رسالة موجهة إلى صناع القرار الدوليين والفاعلين في مجال الحكامة الرقمية والذكاء الاصطناعي، دعت بوعياش إلى توسيع مفهوم الابتكار ليشمل أيضاً تطوير آليات جديدة للحكامة، وتعزيز المشاركة المواطنة، وابتكار أدوات أكثر فعالية لتتبع السياسات العمومية وتقييم آثارها على حقوق الإنسان.
وأكدت أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في ضمان استفادة جميع الفئات من فرص الابتكار بشكل منصف، مع الحرص على أن يسهم التطور التكنولوجي في تعزيز الحقوق والحريات، لا في تعميق مظاهر الهشاشة أو توسيع الفجوات الاجتماعية.
وثمنت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان تنامي الوعي الدولي بترابط قضايا حقوق الإنسان والبيئة والتنمية المستدامة والابتكار، معتبرة أن مواجهة التحديات العالمية المتسارعة تستوجب تعزيز الشراكات الدولية وتبادل الخبرات وبناء استجابات جماعية تتجاوز الحدود الوطنية.
ومن قلب نيويورك، إحدى أبرز منصات صناعة القرار الدولي في مجالي التنمية والأمن، واصلت آمنة بوعياش ترافعها من أجل ترسيخ مقاربة تجعل من حقوق الإنسان أساساً للعمل متعدد الأطراف وركيزة لكل السياسات التنموية. وختمت بالتأكيد على أن نجاح التنمية لا يقاس بمؤشرات النمو والتقدم التكنولوجي وحدها، بل بمدى قدرتها على حماية الحقوق والحريات وتقليص الفوارق الاجتماعية وترسيخ العدالة البيئية، مؤكدة أن «لا تنمية مستدامة، ولا عدالة مناخية، ولا ابتكار مسؤول دون إعمال فعلي لحقوق الإنسان».




