صرخة الحق وصوت الحكمة في ميزان الوطن، دعوة الى التحكيم الملكي.

السباعي يدعوا الى تحكيم ملكي
صرخة الحق وصوت الحكمة في ميزان الوطن، دعوة الى التحكيم الملكي.
الدار/ بقلم د/ الحسين بكار السباعي
تجد المحاماة في المغرب نفسها اليوم عند منعطف تاريخي حاسم وخطير، حيث تتقاطع طموحات ترسيخ دولة الحق والقانون مع تحديات تشريعية فرضت واقع من الاحتقان غير المسبوق في التاريخ الحديت للدولة المغربية. إن الموقف الذي إتخذه المحامون اليوم ، والذي يتجسد في الإجماع الوطني على رفض الصيغة الحالية لمشروع قانون المهنة، ليس مجرد رد فعل ظرفي، بل هو صرخة مؤسساتية نابعة من إيمان عميق بكونية مبادئ الدفاع، وحرص مستميت على صون حصانة رسالة نبيلة تشكل صمام الأمان لعدالة لا تستقيم إلا باستقلال محصن وحرية لا تقبل المساومة.
إن الوقفة التاريخية التي ستشهدها العاصمة الرباط يومه 29 يونيو 2026، بتمثيلية واسعة لجميع المحاميات والمحامين، تعكس تلاحم أطياف الدفاع من طنجة إلى الكويرة، وقفة تبعث برسالة بليغة مفادها أن النيل من إستقلالية المحاماة ليس شأن فئوي محدود يهم المحامين أنفسهم، بل هو مساس بجوهر العدالة ذاتها التي تنهض على عاتق المحامي بصفته الحصن المنيع للمظلومين والمدافع الشرس عن الحقوق والحريات لعموم فئات الشعب المغربي.
وفي ظل هذه الأزمة البنيوية التي تلامس عمق الأمن القضائي للمواطن، و التي تجاوزت حدود السجال المهني الصرف لتكشف عن فجوة في الرؤية بين الفاعل السياسي والممارس الحقوقي، والتي يبدو من خلالها أن إستمرار التجاذب بآليات النفس القصير لم يعد يجدي أي نفع، بل يخدم غايات لا تصب في مصلحة السلم والأمن الإجتماعيين. إن التغول التشريعي الذي يسعى إلى تحويل رسالة الدفاع إلى وظيفة إجرائية مقيدة ضربا بعرض الحائط النضال التاريخي للمحامين ومكتسباتهم ومؤسساتهم وعلى رأسها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، يفرض علينا جميعا إستشراف مآلات أخطر ، إذ لم يعد نضال المحامي شأن خاص، بل أضحى قضية وطنية بإمتياز، تتقاطع فيها مصلحة المتقاضي البسيط مع حق الدفاع في أداء رسالته. وهنا يبرز التحدي نحو الإنتقال إلى إستراتيجية نضالية فكرية وحقوقية تتجاوز دائرة التشكيك الرسمي، لتؤكد أن إستقلال القضاء والمحاماة هو الركن الأساس الذي لا يمكن بناء دولة المؤسسات بدونه.
وأمام هذا الإنسداد الذي طبع مسار الحوار المؤسساتي المضطرب، تظل الحكمة الملكية هي الملاذ الأسمى والملجأ الأقدر على فض هذا النزاع، وتجاوز حالة الإستعصاء التي تهدد تماسك المنظومة القضائية. إن جلالة الملك نصره الله وأيده باعتباره الضامن الدستوري لحسن سير المؤسسات والراعي الأول لسيادة القانون، يمثل المرجعية العليا التي تلتف حولها الإرادات الصادقة لتقريب وجهات النظر. إن تفعيل آلية التحكيم الملكي السامي ليس مجرد طوق نجاة لإنهاء هذا السجال، بل هو الضمانة الأسمى لتعزيز التراكمات الحقوقية التي حققها المغرب وهو يعتلي اليوم أسمى المراتب بالهيئات الحقوقية الدولية، وصون كرامة مهنة الدفاع التي راكمت عبر عقود من النضال أمجادها التاريخية.
إننا اليوم أمام لحظة وطنية فاصلة تدعونا جميعا محامون ومواطنون ومؤسسات إلى التعاطي بجدية ومسؤولية مع كافة مطالب المحامين، وتقدير خطورة المرحلة التي تفرض صون إستقلالية المحاماة بعيدا عن أي حسابات ضيقة كيفما كانت.
ختاما ، المغرب الذي يخطو بخطى ثابتة وواثقة في مسار الإصلاح، قادر بفضل تلاحم مكوناته وحكمة قيادته الملكية الرشيدة على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لتعزيز بناء الدولة القوية بمؤسساتها. إن غايتنا جميعا هو أن تظل صورة المملكة الشريفة راسخة كدولة متقدمة تحترم القانون وتعلي من شأن الدفاع ورسالته السامية، وتجعل من العدالة بوصلة ثابتة للسلم والإستقرار الإجتماعيين، وهو ما لا يتأتى إلا بالإنصات لصوت العقل والحكمة والرجوع إلى المرجعية الملكية السامية التي كانت وعلى الدوام صمام أمان الوطن والمؤتمنة على صيانة مقوماته الحقوقية والديمقراطية.




