ذاكرة المغاربة لا تُباع.. بوانو ينتقد أزمات شارك حزبه في صناعتها

الدار/ إيمان العلوي
في السياسة، قد يكون تغيير المواقع أمرًا طبيعيًا، لكن تغيير الذاكرة أصعب بكثير. لذلك بدا عبد الله بوانو، وهو يهاجم الحكومة الحالية بسبب البطالة والاحتقان الاجتماعي وإصلاح التقاعد وغلاء المعيشة، كمن يفتح ملفًا يحمل بصمات حزبه قبل غيره.
المفارقة أن حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة المغربية لعشر سنوات متتالية بين 2011 و2021، يتحدث اليوم بلسان معارضة توحي بأن البلاد لم تعرف أي حكومة قبل سنة 2021، وكأن عقدًا كاملًا من التدبير الحكومي قد تبخر من الذاكرة الوطنية.
يتحدث بوانو عن إصلاح التقاعد، بينما يعلم الجميع أن حكومته سنة 2016 أقرت أكثر الإصلاحات إثارة للجدل في تاريخ الصندوق المغربي للتقاعد، فرفعت سن الإحالة على التقاعد تدريجيًا من 60 إلى 63 سنة، ورفعت نسبة الاقتطاعات من أجور الموظفين، وغيرت طريقة احتساب المعاشات، رغم معارضة النقابات وخروج آلاف الموظفين للاحتجاج.
ويتحدث عن غلاء المعيشة، بينما كان حزبه صاحب قرار تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، وهو القرار الذي أنهى دعم الوقود وربط الأسعار بالسوق الدولية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح المواطن المغربي أول من يؤدي فاتورة تقلبات النفط، بينما تحولت أسعار الوقود إلى أحد أبرز أسباب ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والأسعار.
أما الحديث عن البطالة، فتكشف الأرقام أن هذا الملف لم يكن قصة بدأت مع الحكومة الحالية. فبحسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة سنة 2021 نحو 12.3% قبل مغادرة العدالة والتنمية للحكومة، وبلغت بطالة الشباب في المدن مستويات قاربت ثلث الفئة العمرية المعنية، وهي مؤشرات تعكس أن أزمة التشغيل كانت قائمة بالفعل قبل انتقال الحزب إلى مقاعد المعارضة.
وعندما يتحدث بوانو عن الاحتقان الاجتماعي، فإن ذاكرة المغاربة تستحضر احتجاجات الأساتذة المتدربين، وحراك الحسيمة، واحتجاجات جرادة، واعتصامات الأساتذة المتعاقدين، وإضرابات طلبة الطب وعدة فئات مهنية. فالشارع المغربي لم يكن خاليًا من الغضب خلال سنوات قيادة العدالة والتنمية للحكومة.
الأكثر إثارة للمفارقة أن الحزب الذي يرفع اليوم شعار الدفاع عن القدرة الشرائية هو نفسه الذي دافع بالأمس عن قرارات وصفها آنذاك بكونها “إصلاحات مؤلمة ولكن ضرورية”. وعندما كان المواطن يشتكي من آثار تلك الإجراءات، كانت الإجابة الرسمية غالبًا أن الظرفية الاقتصادية تفرض قرارات غير شعبية. أما اليوم، فقد أصبحت اللغة مختلفة، بينما بقيت الملفات نفسها.
وفي ملف محاربة الفساد، دخل العدالة والتنمية الحكومة سنة 2011 تحت شعار “محاربة الفساد والاستبداد”. وبعد عشر سنوات، لم تحقق مؤشرات إدراك الفساد قفزة نوعية تعكس حجم الوعود التي رُفعت، بل ظل الملف حاضرًا بقوة في النقاش العمومي، واستمرت مطالب تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا لا يعني أن الحكومة الحالية بمنأى عن الانتقاد، فهي تواجه تحديات حقيقية في التشغيل والقدرة الشرائية وتنزيل ورش الحماية الاجتماعية. لكن المصداقية السياسية تقتضي أن يبدأ النقد بمراجعة الذات، لا بإعادة كتابة التاريخ.
فالسياسة ليست مسرحًا يمكن فيه للممثل أن يغير دوره ويطلب من الجمهور أن ينسى الفصل الأول. والناخب المغربي، مهما اختلفت مواقفه، يتذكر جيدًا من كان في الحكومة حين اتُّخذت قرارات إصلاح التقاعد، وتحرير أسعار المحروقات، وتقليص دعم بعض المواد، ومن كان يطلب من المواطنين “الصبر” باسم الإصلاح.
قد يكون من حق بوانو أن يعارض، وأن ينتقد، وأن يقترح البدائل. لكن من الصعب إقناع الرأي العام بأن كل ما يعيشه المغرب اليوم وُلد سنة 2021، بينما جزء معتبر من هذه الملفات بدأ قبل ذلك بسنوات، عندما كان حزبه يمسك بمقاليد السلطة التنفيذية.
فالذاكرة السياسية قد تضعف أحيانًا… لكنها لا تصاب بفقدان الذاكرة الكامل.




