المهرجان أولاً… أما مكناس فلتنتظر

الدار/ إيمان العلوي
من عاصمة السلطان المولى إسماعيل إلى مدينة تُصدّر شبابها وتستورد المهرجانات… التنمية غائبة، لكن المنصات جاهزة.
لم تعد مكناس بحاجة إلى خبراء في الاقتصاد ولا إلى مكاتب دراسات ولا إلى مخططات تنموية معقدة. فقد اكتشف القائمون على تدبير شؤونها، على ما يبدو، نظرية اقتصادية جديدة تستحق التسجيل باسم المدينة: كلما ارتفعت البطالة، ارتفع صوت مكبرات الموسيقى.
فالشباب الذي ينتظر فرصة عمل منذ سنوات، سيكتشف فجأة أن مشكلته لم تكن في غياب المصانع ولا في هروب المستثمرين، بل في أنه لم يحضر حفلاً فنياً بعد.
أما الأحياء التي أنهكتها البنية التحتية المتهالكة، فيبدو أن المسؤولين يعتقدون أن الحفر في الطرقات تختفي تلقائياً عندما تمر فوقها مواكب الفنانين، وأن الأرصفة تُرمم بالتصفيق، وأن أعمدة الإنارة تستمد طاقتها من أضواء المنصات.
مكناس… المدينة الإمبراطورية التي شيدها السلطان العلوي المولى إسماعيل لتكون عنواناً للقوة والعمران، أصبحت اليوم تبدو وكأنها مدينة تُعاقب لأنها تملك تاريخاً عظيماً. المشاريع الكبرى تمر بجوارها كما تمر القطارات السريعة دون أن تتوقف، والاستثمارات تغير وجهتها نحو مدن أخرى، بينما تكتفي مكناس بالحصول على الفتات… أو على مهرجان جديد.
ولأن السخرية السوداء أحياناً تكون أصدق من الأرقام، يمكن القول إن المسؤولين نجحوا في تحقيق إنجاز غير مسبوق: كلما زادت مشاكل المدينة، زاد عدد الحفلات. وكأن التنمية أصبحت مجرد فقرة فنية بين وصلتين غنائيتين.
وفي الوقت الذي تبحث فيه مدن أخرى عن مناطق صناعية، واستثمارات، ومراكز تكنولوجية، وفرص عمل لشبابها، يبدو أن مكناس اختارت تخصصاً آخر: اقتصاد المنصات المؤقتة. تُبنى منصة في أيام، وتُفك في أيام، ثم تعود المدينة إلى واقعها المعتاد: بطالة، وهجرة للكفاءات، ونقاط سوداء، وشوارع تنتظر من يتذكر أنها جزء من مدينة تاريخية.
أما الصراع السياسي، فهو العرض المجاني الذي لا يحتاج إلى تذكرة. نخب تتنازع على المناصب، بينما المدينة تتراجع عاماً بعد آخر، حتى أصبح السؤال الذي يطرحه المكناسيون ليس: متى ستصل المشاريع؟ بل: إلى أي مدينة مجاورة ستُحوَّل هذه المرة؟
كانت مكناس تُلقب يوماً بـ*“باريس الصغرى”*، أما اليوم فيخشى أبناؤها أن يتحول هذا اللقب إلى مجرد نكتة يتداولها من عاشوا زمن ازدهارها. فالمدينة التي كانت مركزاً للحضارة والتجارة والإشعاع الثقافي، أصبحت تكافح من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من جاذبيتها.
المشكلة ليست في المهرجانات، فالثقافة والفن جزء من هوية المدن الحية. لكن حين تصبح المنصة أهم من المصنع، والحفل أهم من المستشفى، والفنان أهم من المستثمر، والميزانية المخصصة للأضواء أكبر من الاهتمام بالأحياء المنسية، فإن السخرية تتحول إلى واقع، والواقع يصبح أكثر إيلاماً من أي مقال ساخر.
السؤال الذي يطارد مكناس كل صيف: هل ستأتي التنمية هذه السنة… أم أنها اعتذرت أيضاً، وأرسلت فرقة موسيقية بدلاً عنها.




