Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوسالمغرب

المغرب لا يُستفز.. مناورات إسبانيا البحرية أمام اختبار «الرد الهادئ» للرباط

الدار/ إيمان العلوي

تفتح التحركات الأخيرة للبحرية الإسبانية بالقرب من السواحل المغربية باباً جديداً للتساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحاول مدريد إيصالها في منطقة جغرافية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع الملفات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بمضيق جبل طارق وسبتة ومليلية المحتلتين.

وتتحدث معطيات متداولة في مصادر إسبانية عن اقتراب فرقاطتين تابعتين للبحرية الإسبانية من السواحل المغربية، في خطوة تثير الانتباه بالنظر إلى توقيتها وموقعها، وإن كان من الصعب الجزم بأن هذا التحرك يحمل بالضرورة طابعاً تصعيدياً ما لم تؤكده الجهات الرسمية المعنية.

غير أن أهمية التطور لا تكمن فقط في حركة سفينتين حربيتين، وإنما في الرسائل السياسية التي قد تُقرأ من وراء استعراض القدرات العسكرية في محيط يعرف جيداً حجم الحساسية المرتبطة بأي تحرك بحري بين البلدين.

فالمغرب، الذي اختار خلال السنوات الماضية بناء قوته بعيداً عن الاستعراض، أصبح يمتلك منظومة متكاملة من أدوات التأثير، تبدأ من القدرات الدفاعية المتنامية، ولا تنتهي عند الدبلوماسية والشراكات الدولية والاقتصاد والتعاون الأمني والموقع الاستراتيجي الذي يمنحه إطلاله على المتوسط والأطلسي وقربه من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن هذه الزاوية، فإن عدم صدور رد مغربي مباشر على أي تحرك عسكري إسباني لا ينبغي تفسيره على أنه تراجع أو ضعف. فالرباط أثبتت في أكثر من مناسبة أنها تفضل إدارة الملفات الحساسة بمنطق حساب الكلفة والمكاسب، بدل الانجرار إلى ردود فعل متسرعة قد تخدم أجندات أطراف أخرى.

المعادلة الجديدة التي ينبغي استحضارها هي أن المغرب لم يعد مضطراً إلى الرد على كل رسالة عسكرية برسالة عسكرية مماثلة. فالقوة الحقيقية للدولة تظهر أيضاً في قدرتها على امتلاك خيارات متعددة، واختيار الأداة المناسبة والتوقيت المناسب عندما ترى أن مصالحها تستدعي ذلك.

وإذا كانت التحركات الإسبانية تهدف، كما يرى بعض المراقبين، إلى استعراض القوة أو توجيه رسائل إلى الداخل الإسباني، فإن تحويل البحر المقابل للسواحل المغربية إلى منصة لإظهار القوة لن يغير من حقيقة أن الرباط أصبحت لاعباً أساسياً في معادلات الأمن والهجرة والتجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي.

كما أن العلاقات المغربية الإسبانية نفسها تجعل أي تصعيد غير محسوب محفوفاً بتداعيات تتجاوز الجانب العسكري. فالمصالح المشتركة بين البلدين واسعة، والتعاون الأمني والاقتصادي بينهما يجعل العودة إلى منطق التوتر المفتوح خياراً مكلفاً للطرفين، خصوصاً بالنسبة لإسبانيا التي تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً أساسياً في عدد من الملفات الاستراتيجية.

وفي المقابل، فإن المغرب لا يملك فقط القدرة على حماية حدوده ومجاله البحري، بل يمتلك كذلك شبكة متنامية من العلاقات والشراكات الدولية التي تمنحه هامشاً أوسع للمناورة والتحرك. وقد ساهمت السنوات الأخيرة في تعزيز موقع المملكة كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على الجمع بين الدبلوماسية النشطة وتحديث قدراتها الدفاعية وتوسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي.

لهذا، فإن الرهان على استفزاز الرباط ودفعها إلى رد فعل متسرع قد يكون رهاناً خاطئاً. المغرب يستطيع أن يتجاهل الاستعراض عندما يكون التجاهل أكثر فائدة، وأن يرفع مستوى الرد عندما تصبح مصالحه مهددة، وأن يفعل ذلك عبر أدوات متعددة لا تقتصر بالضرورة على المجال العسكري.

وفي ملف سبتة ومليلية تحديداً، تدرك الرباط أن القوة لا تعني فتح مواجهة مباشرة، وإنما تعني الاحتفاظ بالملف ضمن أجندتها الاستراتيجية وعدم السماح بتحويله إلى ذريعة للتصعيد أو إلى ورقة ضغط ضد المصالح المغربية.

الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه التطورات هي أن المغرب لا يبحث عن مواجهة مع إسبانيا، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل بمنطق فرض الأمر الواقع أو اختبار صبره عبر تحركات عسكرية استفزازية.

فالرباط اليوم أكثر قدرة على الرد مما كانت عليه في السابق، لكن قوتها لا تكمن في سرعة الرد، بل في قدرتها على اختيار شكله وتوقيته ومكانه.

وفي السياسة كما في الاستراتيجية العسكرية، قد لا تكون أقوى إجابة هي الأكثر ضجيجاً؛ أحياناً تكون القوة الحقيقية في أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار متى وكيف ولماذا تستخدمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى