سبتة تفضح ازدواجية أوروبا: المغرب يطالب بأبنائه وإسبانيا تفتح باباً جديداً للجدل

الدار/ إيمان العلوي
في الوقت الذي تصر فيه العواصم الأوروبية على تقديم نفسها باعتبارها رأس الحربة في مواجهة الهجرة غير النظامية، تكشف قضية القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة عن مفارقة سياسية وقانونية لافتة، بعدما برزت معطيات تفيد بتوجه إسبانيا نحو نقل نحو 500 قاصر مغربي من المدينة إلى مناطق داخل شبه الجزيرة، في وقت يطالب فيه المغرب بإعادتهم إلى أسرهم وبلدهم الأصلي.
المفارقة هنا لا تتعلق فقط بتدبير ملف الهجرة، وإنما تكشف حدود الخطاب الأوروبي عندما يصطدم بالواقع. فإسبانيا التي تتحدث باستمرار عن ضرورة الحد من الهجرة غير النظامية، تجد نفسها أمام ملف يطرح سؤالاً أكثر حساسية: لماذا لا تكون إعادة القاصرين إلى أسرهم، متى ثبتت هوياتهم وتوافرت الشروط القانونية والضمانات اللازمة، جزءاً من الحل بدل توسيع دائرة إقامتهم داخل التراب الإسباني؟
المغرب، في المقابل، لا يتعامل مع القضية باعتبارها رقماً في إحصائيات الهجرة، وإنما باعتبارها ملفاً يرتبط بأطفال لهم أسر وبلد منشأ ومحيط اجتماعي. ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بإعادتهم، متى كانت العودة متوافقة مع المصلحة الفضلى لكل قاصر وبعد استيفاء الإجراءات القانونية، تبدو مطالبة تستحق أن تؤخذ بجدية، خصوصاً إذا كانت السلطات المغربية مستعدة لتحمل مسؤولياتها تجاه هؤلاء الأطفال وضمان اندماجهم مجدداً في محيطهم الأسري والاجتماعي.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نضع هذه القضية في سياق السياسة الأوروبية الأوسع. فمن جهة، تضغط دول الاتحاد الأوروبي على دول جنوب المتوسط كي تمنع الهجرة غير النظامية وتكثف مراقبة حدودها، ومن جهة أخرى، عندما يصل قاصرون إلى الأراضي الأوروبية، تصبح عملية إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أكثر تعقيداً، حتى في الحالات التي تطالب فيها الدول المعنية باستعادتهم وتوفير الرعاية لهم.
وهنا يبرز سؤال سياسي مشروع: هل تتعامل أوروبا مع التعاون في مجال الهجرة باعتباره مسؤولية مشتركة فعلاً، أم أنها تريد من دول الجنوب أن تؤدي دور حارس الحدود الأوروبية، بينما تحتفظ لنفسها بالقرار النهائي في ما يتعلق بمصير القاصرين الموجودين على أراضيها؟
لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإعادة القاصرين بصورة جماعية أو آلية، ولا بتجاوز الضمانات التي يفرضها القانون الدولي، بل بضرورة احترام مبدأ أساسي: كل حالة يجب أن تدرس بشكل فردي، وأن تكون مصلحة الطفل هي المعيار الحاسم. فإذا ثبتت هوية القاصر، وتأكدت الروابط الأسرية، وتوافرت شروط العودة الآمنة، فإن تجاهل طلب بلد المنشأ والتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً إدارياً إسبانياً صرفاً يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول مدى احترام مبدأ التعاون بين الدول.
كما أن نقل هؤلاء القاصرين من سبتة إلى مناطق أخرى داخل إسبانيا لا يحل بالضرورة جذور المشكلة، بل قد ينقلها جغرافياً فقط. فالمسألة الأساسية ليست أين سيتم إيواء القاصر، وإنما ما الذي سيحدث له على المدى البعيد، وكيف سيتم ضمان حقه في الأسرة، والتعليم، والاستقرار، والحماية، وما إذا كان بإمكانه العودة إلى محيطه الأصلي في ظروف آمنة تحفظ كرامته ومصلحته.
ومن الخطأ أيضاً تحويل هذه القضية إلى مادة لاتهامات خطيرة حول وجود شبكات استغلال أو أجندات خفية من دون أدلة موثوقة. مثل هذه الادعاءات تحتاج إلى تحقيقات رسمية ومعطيات قابلة للتحقق، لأن القاصرين ليسوا مادة للمزايدات السياسية ولا يجوز استخدام هشاشتهم لإطلاق اتهامات غير مثبتة. لكن ذلك لا يلغي في المقابل حق الرأي العام في مساءلة الحكومات حول أسباب قراراتها، ولا حق المغرب في طلب توضيحات بشأن مستقبل مواطنيه القاصرين.
الأهم أن هذه القضية تعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر حول العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة. فالمغرب أصبح خلال السنوات الأخيرة شريكاً أساسياً لأوروبا في مكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، ويتحمل أعباء كبيرة مرتبطة بحماية حدوده والتعاون الأمني والحد من التدفقات غير النظامية. ومن ثم، فإن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تكون انتقائية: إذا كان المطلوب تعاوناً مغربياً ـ أوروبياً في منع الهجرة غير النظامية، فيجب أن يشمل التعاون أيضاً معالجة أوضاع القاصرين المغاربة وفق آليات واضحة ومتفق عليها.
إن قضية سبتة تضع مدريد، قبل غيرها، أمام اختبار المصداقية. فالمغرب لا يطلب امتيازاً استثنائياً، وإنما يطالب بأن يُسمع موقفه وأن تؤخذ مسؤولياته تجاه مواطنيه القاصرين بعين الاعتبار. وإذا كانت إسبانيا تعتبر حماية الطفل أولوية، فإن احترام الروابط الأسرية وحق القاصر في بيئته الأصلية يجب أن يكون جزءاً من هذه الحماية، متى كانت العودة آمنة وقانونية وتخدم مصلحته الفضلى.
لا يمكن بناء سياسة أوروبية متماسكة للهجرة بمنطق انتقائي: تعاون مطلوب من المغرب عندما يتعلق الأمر بحماية الحدود، ثم تجاهل لمطالبه عندما يتعلق الأمر بمصير قاصرين مغاربة. فالشراكة الحقيقية تقوم على المسؤولية المتبادلة، والشفافية، واحترام السيادة، وقبل كل شيء على وضع مصلحة الأطفال فوق الحسابات السياسية.
ومن سبتة تحديداً، يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: إذا كان المغرب يطالب باستعادة أبنائه ويتعهد بتحمل مسؤوليته تجاههم، فلماذا لا تتحول هذه المطالبة إلى مسار قانوني وإنساني واضح، بدل أن يبقى القاصرون عالقين في منطقة رمادية بين خطاب أوروبي يرفع شعار مكافحة الهجرة وسياسات قد تؤدي عملياً إلى استمرار إقامتهم داخل أوروبا.



