حين تتحول الإنتخابات إلى إرث عائلي، فمن يخجل من الوطن؟

تعيدنا ملامح المشهد الانتخابي الذي بدأ يتشكل أمام أعيننا إلى ذلك السؤال الملكي الصارخ الذي دوى في يوليوز 2017 حينما قال جلالته : “أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول، لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بأنه ليس له ضمير. ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم”.
سؤال لم يفقد شيئا من راهنيته، بل أصبح اليوم أشد إلحاحا، ونحن نرى بعض الوجوه التي أخفقت في أداء واجبها، وخيبت ثقة المواطنين تعود بثقة عجيبة لتتصدر المشهد من جديد، وكأن الذاكرة الجماعية قصيرة وكأن صناديق الإقتراع مجرد محطة موسمية لتجديد الإمتيازات لا لإعمال الشرعية والمحاسبة.
نتقاسم مع جلالة الملك ذلك الاستغراب العميق، فكيف يستطيع مسؤول لم يترك خلفه أي أثر تنموي ولم يحمل إلى الناس سوى الوعود أن يعود لطلب أصواتهم دون خجل؟ وكيف لمن إنقطعت صلته بالمواطن بمجرد إعلان النتائج أن يظهر أمامه اليوم مبتسما يطرق الأبواب ويقيم الولائم ويستعين بأصوات البنادير وضجيج المواكب للتغطية على صمت حصيلته؟ إن الحياء السياسي يبدأ بالاعتراف بالفشل أما الإصرار على العودة بعد سنوات من الغياب والعجز فليس شجاعة، بل استهانة بوعي المواطنين وامتحان جديد لذاكرتهم.
الأخطر أن بعض الأحزاب المتنافسة على رئاسة الحكومة، بدل أن تجعل الإنتخابات فرصة لتجديد نخبها والدفع بالكفاءات والطاقات الشابة والنساء صاحبات الإستحقاق الحقيقي، تبدو وكأنها تستعد لإعادة إنتاج العائلات السياسية نفسها،فقدمت الزوجات ودفعت بالأبناء والأقارب والعجيب أنها إستقدمت نساء إلى أقاليم وجهات، فوزعت المواقع كما توزع أنصبة الإرث، حتى يكاد الوطن في نظر هؤلاء يبدو ضيعة عائلية والحزب شركة خاصة، والمقعد الانتخابي ملكية قابلة للتوريث. وحين يصبح النسب أقوى من الكفاءة، والقرابة مقدمة على الإستحقاق، والولاء للأشخاص بديلا عن خدمة المؤسسات، فإننا لا نكون أمام تجديد للنخب، بل أمام إعادة تدوير للنفوذ في أثواب وأسماء جديدة.
إن الديمقراطية ليست عملية تجميل تجرى للوائح القديمة، ولا مجرد تبديل للألقاب داخل الأسرة الواحدة، بل هي تداول حقيقي للنخب والأفكار والمسؤوليات. والحزب الذي يعجز عن إنتاج كفاءات من خارج دوائر القرابة والمصالح يعلن عن إفلاسه السياسي والتنظيمي. كما أن الخطاب عن تمكين النساء والشباب يفقد معناه حين يتحول إلى غطاء لتوريث المواقع، فالمرأة لا تحتاج إلى قرابة نافذ كي تستحق الترشح، والشاب لا ينبغي أن يحمل اسم عائلي معروف حتى يفتح له باب المسؤولية. وما بدأت تتضح معالمه اليوم لا يبشر بمنافسة ديمقراطية نزيهة بين البرامج والكفاءات، بل بصراع مبكر على المواقع تستعمل فيه الولاءات والقرابات والمال وشبكات النفوذ، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقيةعن ماذا تحقق للمواطن؟ أين ذهبت الوعود؟ من يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها من يطلب تجديد الثقة فيه؟
إن الانتخابات التي لا تسبقها محاسبة تتحول إلى طقس شكلي والأحزاب التي تكافئ الفشل بإعادة التزكية لا تهين مناضليها وكفاءاتها فقط بل تسيء إلى معنى العمل السياسي نفسه.
والرسالة إلى هؤلاء واضحة، لا تراهنوا على النسيان فالمواطن الذي صبر طويلا بدأ يقرأ ما وراء الشعارات، ويميز بين من خدم الوطن ومن استعمله وبين من حمل هموم الناس ومن حمل أقاربه إلى مواقع القرار. قد تمنحكم الحسابات الضيقة مواقع متقدمة في اللوائح وقد تفتح لكم شبكات المصالح أبواب الترشيح، لكنها لن تمنحكم احترام الناس ولا شرعية الإنجاز. فصندوق الإقتراع مهما حاصرته وسائل التأثير يظل قادرا على أن يتحول إلى لحظة محاسبة صامتة وقاسية.
ختاما، إن الوطن ليس ضيعة عائلية والمقاعد ليست تركة والمؤسسات ليست مأوى للباحثين عن الحصانة والامتياز. المغرب في حاجة إلى نخب تستحق مواقعها بالكفاءة والنزاهة والعمل، لا بأسماء العائلات وقوة العلاقات.
ليظل السؤال الملكي معلق فوق هذا المشهد، يطارد كل من أخفق ثم عاد وكل من ورث المسؤولية بدل أن يؤديها، وكل من جعل من السياسة تجارة موسمية، ألا يخجل هؤلاء من أنفسهم؟




