صمكها.. هكذا رد المغاربة على الضجيج الإعلامي الفرنسي قبل قمة بوسطن

الدار/ أحمد البوحساني
لم تعد المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الفرنسي في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد مباراة لكرة القدم، بل تحولت، مع اقتراب موعدها، إلى معركة تدور على جبهتين؛ الأولى داخل المستطيل الأخضر حيث يبحث كل منتخب عن بطاقة العبور إلى نصف النهائي، والثانية خارج الملعب، حيث ارتفعت وتيرة الجدل الإعلامي، خاصة داخل فرنسا، في مشهد يعكس حجم القلق الذي بات يفرضه المنتخب المغربي على كبار كرة القدم العالمية.
فمنذ أن حجز “أسود الأطلس” مقعدهم في ربع النهائي بعد أداء مقنع وانتصار بثلاثية نظيفة على كندا، بدأت بعض المنابر الإعلامية الفرنسية توجيه بوصلتها نحو المنتخب المغربي، ليس عبر قراءة فنية لقدراته أو تحليل نقاط قوته وضعفه، بل من خلال التركيز على ملفات جانبية، من قبيل الإصابات المحتملة، وتسريب معطيات غير مؤكدة بشأن جاهزية بعض اللاعبين، وإعادة فتح ملفات اللاعبين مزدوجي الجنسية الذين اختاروا الدفاع عن ألوان المغرب بدل المنتخب الفرنسي.
وتداولت هذه المنابر أخبارًا متضاربة حول الوضع الصحي لعدد من العناصر الأساسية، من بينهم شادي رياض وإسماعيل الصيباري، في وقت لم تصدر فيه أي معطيات رسمية عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أو الطاقم الطبي للمنتخب، وهو ما جعل تلك الأخبار تثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصًا أنها جاءت قبل أيام قليلة فقط من واحدة من أهم مباريات المونديال.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عاد الحديث مجددًا عن اللاعبين الذين فضلوا تمثيل المغرب، وعلى رأسهم الموهبة الصاعدة أيوب بوعدي، وكأن بعض الأصوات الإعلامية لا تزال تجد صعوبة في استيعاب أن المغرب أصبح اليوم وجهة رياضية جاذبة، وأن العديد من اللاعبين لم يعودوا ينظرون إلى حمل القميص المغربي باعتباره خيارًا ثانيًا، بل قرارًا نابعًا من قناعة ورغبة في الدفاع عن وطنهم.
في المقابل، بدا المنتخب المغربي وكأنه اختار الرد بالطريقة الأكثر فاعلية؛ لا بيانات انفعالية، ولا تصريحات نارية، ولا انشغال بما يُقال خارج الملعب. داخل معسكر “أسود الأطلس”، يسود الانضباط والهدوء، فيما فرض الطاقم التقني والطبي سرية تامة على كل ما يتعلق بالاستعدادات، مع تشديد الإجراءات الأمنية وإغلاق باب التسريبات، إدراكًا منه بأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق في مثل هذه المواجهات الكبرى.
هذا الهدوء انعكس أيضًا على الجماهير المغربية، التي أطلقت عبر منصات التواصل الاجتماعي شعار “صمكها”، ليصبح في ساعات قليلة عنوانًا لمرحلة كاملة. رسالة بسيطة لكنها تحمل دلالات كبيرة: لا جدوى من الانشغال بما يروج هنا وهناك، ولا فائدة من الدخول في سجالات إعلامية، لأن الرد الحقيقي سيكون فوق أرضية الملعب، حيث لا مكان للشائعات ولا للتأويلات.
وإذا كان من حق الإعلام أن يناقش ويحلل وينتقد، فإن اللافت في هذه المرحلة هو أن المنتخب المغربي لم يعد يُعامل كمنتخب يبحث عن مفاجأة عابرة، بل كقوة كروية حقيقية قادرة على إقصاء أكبر المدارس العالمية. وهذا وحده يكفي لفهم حجم الاهتمام الذي يحظى به، وحجم الضغط الذي يسبق مواجهته مع منتخب فرنسي يدرك جيدًا أنه لن يواجه المنتخب المغربي الذي عرفه قبل سنوات، بل فريقًا راكم الخبرة، واكتسب الشخصية، وأصبح منافسًا يحسب له الجميع ألف حساب.
ومع ذلك، فإن من الإنصاف التأكيد على أن جزءًا مهمًا من الإعلام الفرنسي قدم قراءات مهنية ومتوازنة، واعترف بقوة المنتخب المغربي وبصعوبة المهمة التي تنتظر “الديوك”. غير أن أصواتًا أخرى فضلت صناعة الجدل، وإحياء ملفات قديمة، وإثارة نقاشات لا تضيف شيئًا إلى الجانب الرياضي، وهو ما ساهم في رفع منسوب التوتر الإعلامي قبل صافرة البداية.
لكن التاريخ لا يكتب في عناوين الصحف، ولا تُحسم المباريات داخل الاستوديوهات أو على منصات التواصل الاجتماعي. فبعد كل الضجيج، سيبقى المستطيل الأخضر وحده صاحب الكلمة الأخيرة، وسيكون الفيصل بين الطموح المغربي والرغبة الفرنسية في مواصلة المشوار.
الخميس في بوسطن لن يكون امتحانًا للأعصاب فقط، بل اختبارًا للحقيقة الكروية. أما كل ما يسبق ذلك، فلن يكون سوى ضجيج عابر… بينما يواصل المغرب السير بثقة، رافعًا شعارًا واحدًا اختصر كل شيء: “صمكها… ودع الكرة تتحدث.




