Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

يوم الإقتراع ترسيخ للإختيار الديمقراطي وصون لنزاهة العملية الإنتخابية.

يشكل الإختيار الديمقراطي أحد الثوابت الراسخة للمغرب الحديث، بما يجسده من تعددية حزبية وتنافس سياسي مشروع، وتداول على المسؤولية، وإحترام لإرادة الناخبين. ولا تكتمل هذه الممارسة الديمقراطية إلا بضمان إنتخابات نزيهة وشفافة، تقوم على تكافؤ الفرص والتنافس الشريف والإحتكام إلى القانون، بعيدا عن شراء الأصوات أو إستغلال النفوذ أو توظيف الوسائل العمومية في غير ما أعدت له.

ويكتسي يوم الإقتراع أهمية خاصة باعتباره محطة حاسمة لترجمة الإرادة الشعبية إلى نتائج فعلية. لذلك تنتهي الحملة الإنتخابية عند منتصف الليل السابق ليوم التصويت، لتبدأ فترة الصمت الإنتخابي التي يمنع خلالها توزيع المنشورات أو نشر الإعلانات الإنتخابية، حضوريا أو عبر مختلف الوسائط الرقمية. وتعاقب المادة 39 على مخالفة ذلك بالحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر وغرامة من 20 ألف إلى 50 ألف درهم. كما تشدد العقوبة إذا صدر الفعل عن موظف أو مأمور إداري أثناء قيامه بمهامه، حيث تصل إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم، إذا قام بتوزيع وثائق إنتخابية أو دعا ناخبا إلى التصويت لفائدة مرشح أو حزب معين.

وتحظر القواعد المنظمة للإقتراع إدخال الهاتف أو أجهزة التصوير أو الإتصال إلى قاعة التصويت، بإستثناء الأشخاص المرخص لهم بذلك. ووفق المادة 50 يمكن أن يترتب عن هذه المخالفة الحجز والحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر، وغرامة من 10 آلاف إلى 20 ألف درهم. كما يمنع تصوير ورقة التصويت أو إستعمال صورتها لإثبات تنفيذ صفقة مرتبطة بشراء الأصوات، لما في ذلك من مساس بسرية الإختيار وإرادة الناخب الحرة.

ويعد التصويت أكثر من مرة أو إنتحال صفة ناخب من أخطر الأفعال المجرمة، إذ تعاقب المادتان 46 و47 عليها بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم. كما يمنع التجمهر أو الضغط أو التهديد داخل مكتب التصويت أو في محيطه، وإثارة النقاشات التي قد تؤثر في الناخبين أو تعرقل السير العادي للإقتراع، فضلا عن كل مساس بسرية التصويت أو سلامة الصندوق أو أوراق الاقتراع أو محاضر الفرز.

وبموجب المواد 70 و71 و75 و77، لا يعد إشعار مكتب التصويت ضروري ويمارس الناخب حقه بشكل شخصي وسري بعد إثبات هويته بواسطة البطاقة الوطنية للتعريف. ويتولى الناخب بنفسه أخذ ورقة التصويت ووضعها في الصندوق، فيما يفتتح الإقتراع في الساعة الثامنة صباحا ويختتم في الساعة السابعة مساءا. ويحق لممثلي المرشحين مراقبة مختلف مراحل التصويت والفرز وطلب تضمين ملاحظاتهم في المحضر وفقا للمادة 74، بما يعزز الشفافية ويوفر ضمانة إضافية لإحترام القواعد القانونية.

ولا يقتصر دور ممثلي المرشحين على الحضور الشكلي، بل يشمل تتبع سير العملية الإنتخابية، ورصد أي ملاحظات أو إختلالات، والتأكد من إحترام الإجراءات، مع الإلتزام بالهدوء والإنضباط وعدم التأثير في الناخبين أو عرقلة عمل أعضاء مكاتب التصويت. كما يضطلع الملاحظون وفي حدود المهام المخولة لهم بدور مهم في تعزيز الثقة وتوثيق الممارسات والمساهمة في تقييم العملية الإنتخابية بصورة موضوعية ومستقلة.

وتشمل أبرز الجرائم الإنتخابية شراء الأصوات أو قبول المقابل أو التوسط فيه، وهي أفعال تعاقب عليها المادتان 62 و64 بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم. وتنطبق العقوبة نفسها على الضغط والتهديد والتخويف وفق المادة 63 وعلى تسخير وسائل الدولة والجماعات لأغراض انتخابية طبقا للمادتين 37 و44، وكذلك على التضليل والتزييف الرقمي والتشهير الإنتخابي وفق المادتين 51 و51 المكررة.

كما تعاقب المادة 48 على التلاعب بأوراق التصويت أو تسريبها بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم. وترفع المادة 58 العقوبة إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم في حالات كسر الصندوق أو تبديل الأوراق أو تغيير النتيجة أو إنتهاك السرية. وتقرر المادة 59 العقوبة نفسها بالنسبة إلى من يستولي على الصندوق قبل إجراء الفرز فيما تعاقب المادة 60 المكلفين بالإقتراع أو الفرز أو إعلان النتائج إذا ثبت تلاعبهم بالسجن من خمس إلى عشر سنوات.

أما المساس العام بسرية الإقتراع أو نزاهته بالتدليس، ولو تم عبر وسائل التواصل الإجتماعي ومختلف الوسائط الرقمية فتعاقب عليه المادة 67 بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألف إلى 100 ألف درهم، مع مضاعفة العقوبة إذا كان الفاعل موظف عمومي. كما قد يترتب عن عدم إحترام قواعد تمويل الحملات الإنتخابية أو تجاوز سقف المصاريف أو عدم إيداع الحساب فقدان الإستفادة من الدعم وإرجاع المبالغ وإحالة الوقائع على القضاء المختص بل والتجريد من العضوية بحسب طبيعة المخالفة ونتائجها.

وتضاعف المادة 65 العقوبات المتعلقة بشراء الأصوات والضغط والهبات الإنتخابية إذا كان مرتكبها موظف أو بالإدارات العمومية أو الجماعات الترابية. كما ترتب المادة 66 بالنسبة إلى الجرائم المحددة فيها الحرمان من التصويت لمدة خمس سنوات ومن الترشح لفترتين نيابيتين متتاليتين بينما تضاعف العقوبات في حالة العود وفق المادة 69.

ومن المهم التمييز بين مسارين مستقلين، أولهما الدعوى الزجرية الهادفة إلى معاقبة مرتكب الجريمة الإنتخابية، وثانيهما الطعن الإنتخابي الرامي إلى إلغاء النتيجة أو إسقاط العضوية متى ثبت أن المخالفة أثرت في حرية الإقتراع أو صدق النتائج. فالإدانة الجنائية لا تؤدي دائما وبصفة تلقائية إلى إلغاء الإنتخاب، إذ يخضع ذلك لمقتضيات الطعون الإنتخابية وفق المادة 61. وتبرز هنا أهمية سرعة البحث والتحقيق وحماية المبلغين وتتبع مصادر تمويل الحملات ومراقبة المنصات الرقمية والبت في الطعون داخل آجال معقولة.

وفي سياق الموضوع يستحق رجال السلطة ومختلف الأجهزة الأمنية وقضاة النيابة العامة، التنويه بما يضطلعون به من مسؤوليات في تأمين العملية الإنتخابية وحماية الناخبين وضمان النظام العام والتصدي للمخالفات والسهر على تطبيق القانون بحزم وتجرد. فنجاح يوم الإقتراع لا يرتبط فقط بحسن التنظيم بل كذلك بحماية حرية الناخب وضمان سلامة مكاتب التصويت وتمكين مختلف المتدخلين من أداء أدوارهم في أجواء يسودها الأمن والإنضباط والحياد.

ختاما، إن الإنتخابات ليست مجرد موعد دستوري بل مدرسة للمواطنة ومقياس لمدى نضج الممارسة السياسية. وكلما التزم الفاعلون السياسيون بالقانون وإحترموا إرادة الناخبين وإبتعدوا عن خطاب التضليل وإستعمال المال والنفوذ، إزدادت ثقة المواطن في المؤسسات وإتسعت مشاركة الشباب في الحياة العامة. والمغرب بما راكمه من تجربة مؤسساتية وتعددية سياسية قادر على جعل كل إستحقاق إنتخابي خطوة جديدة نحو ديمقراطية أكثر ترسخا يكون فيها التنافس على أساس البرامج والكفاءة والنزاهة لا على أساس الإغراء أو الضغط أو شراء الذمم. ويبقى الرهان الحقيقي هو أن يتحول القانون من نصوص زجرية إلى ثقافة سياسية راسخة، وأن يدرك كل فاعل أن المقعد الذي لا تحميه الشرعية والنزاهة يظل فاقدا لقيمته مهما كانت نتائجه الشكلية.

د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى