لقجع يكشف تفاصيل مالية 2027: إعفاءات ضريبية وزيادات في الدعم والمعاشات ورفض تسقيف المحروقات

الدار | إيمان العلوي
كشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، خلال استضافته في برنامج «ساعة الصراحة» على القناة الثانية، عن مجموعة من التوجهات والإجراءات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، واضعا الملفات الاجتماعية والضريبية والقدرة الشرائية في صلب النقاش، من خلال عرض تفاصيل تتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، ومعاشات المتقاعدين، وإعفاءات الأجراء، وفواتير الكهرباء، فضلا عن موقف الحكومة من أسعار المحروقات وإصلاح أسواق المواد الغذائية.
وقدم الوزير تصوره لكيفية تدبير الالتزامات الاجتماعية خلال السنوات المقبلة، في سياق تسعى فيه الحكومة إلى توسيع نطاق بعض التدخلات المالية، مع الحفاظ على توازن الميزانية وضمان الموارد اللازمة لتمويل السياسات العمومية. وتبرز أهمية هذه الإجراءات في ارتباطها المباشر بمصاريف الأسر ومداخيلها، وإن كان أثرها النهائي سيظل رهينا بالتنفيذ الفعلي ومواعيد دخول التدابير حيز التطبيق.
وفي ما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، تتجه الحكومة إلى رفع الحد الأدنى للإعانة المخصصة للأسر المستحقة بصورة تدريجية، انطلاقا من 500 درهم حاليا إلى 600 درهم ابتداء من سنة 2027، ثم 700 درهم سنة 2028، وصولا إلى 1000 درهم في أفق سنة 2031. ويعكس هذا المسار توجها نحو تعزيز المساعدة المالية الموجهة إلى الأسر التي تستوفي شروط الاستفادة، مع توزيع الكلفة على عدة سنوات بدل اعتماد زيادة دفعة واحدة.
وتتزامن هذه الخطوة مع مراجعة آليات تحديد المستفيدين، من خلال إيلاء أهمية أكبر للدخل الفعلي للأسرة، بما يسمح بتجاوز بعض الحالات التي قد لا تعكس فيها المؤشرات المعتمدة الوضعية الاجتماعية الحقيقية للأسر. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين الاستهداف والحد من حالات الإقصاء، مع مراعاة أن الاستفادة من الدعم تظل خاضعة للمعايير القانونية المعمول بها.
وفي ملف التقاعد، عرض لقجع تدابير ترمي إلى تحسين معاشات الفئات التي تتقاضى مبالغ محدودة، من خلال رفع الحد الأدنى للمعاش تدريجيا، انطلاقا من 1700 درهم شهريا ابتداء من فاتح يناير 2027، في اتجاه بلوغ 3000 درهم بنهاية الولاية الحكومية. ويهم هذا الإجراء، بحسب المعطيات التي جرى تداولها بشأن تصريحات الوزير، نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة.
وأكد التوجه المعلن أن الدولة ستتحمل الكلفة المرتبطة بهذا الإجراء من الميزانية العامة، دون تحميلها لصناديق التقاعد، في خطوة تستهدف تخفيف العبء عن المتقاعدين ذوي المعاشات المنخفضة. كما تشمل الإجراءات المعلنة مراجعة وضعية معاشات الأرامل، من خلال رفع النسبة المخصصة لهن من 50 إلى 100 في المائة ابتداء من يناير 2027، وفق الشروط المرتبطة بكل نظام تقاعدي.
وعلى مستوى الأجراء، يشكل إصلاح الضريبة على الدخل أحد أبرز محاور مشروع مالية 2027، إذ يتضمن رفع سقف الدخل السنوي المعفى من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، مع إعادة تنظيم الشرائح الضريبية وخفض أعلى معدل هامشي من 37 إلى 30 في المائة وفق المسار المعلن للإصلاح.
ويرتقب أن يؤدي هذا التغيير إلى توسيع قاعدة الأجراء المعفيين من الضريبة على الدخل، مع توقع وصول نسبتهم إلى 87 في المائة، بحسب التقديرات المقدمة بشأن الإصلاح. كما يُنتظر أن تستفيد فئات من الموظفين والأجراء من تحسن في دخلها الصافي، تختلف قيمته بحسب مستوى الأجر والوضعية الضريبية لكل مستفيد.
وتراهن الحكومة من خلال هذا الإجراء على تخفيف الاقتطاعات من الأجور وتعزيز القدرة الشرائية، غير أن حجم الاستفادة الفعلية سيظل مرتبطا بالتفاصيل النهائية للنظام الضريبي وبمستوى الدخل، فضلا عن تطور أسعار المواد والخدمات التي تشكل الجزء الأكبر من نفقات الأسر.
وفي خطوة أخرى تهم المصاريف اليومية، أعلن لقجع عن توجه يقضي بتحمل الدولة فواتير الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم ابتداء من فاتح يناير 2027. ويستهدف هذا الإجراء، وفق المعطيات المعلنة، نحو ستة ملايين مشترك، بكلفة سنوية مقدرة بحوالي 2.8 مليار درهم، مع مراعاة شروط الاستفادة التي ستحددها المقتضيات المنظمة للعملية.
ويمثل هذا التدبير محاولة لتخفيف جزء من الأعباء المرتبطة بالطاقة عن الأسر ذات الاستهلاك المحدود، كما يطرح أهمية ضبط آليات التطبيق حتى يستفيد المعنيون فعليا من الإجراء دون تعقيدات إدارية أو التباس في شروط الاستحقاق.
وفي المقابل، اتخذ الوزير موقفا واضحا من المطالب الداعية إلى تسقيف أسعار المحروقات، رافضا العودة إلى هذا الخيار، ومعتبرا أن النقاش بشأنه يعيد طرح إشكالية نظام المقاصة وتوزيع الدعم. وبدلا من التدخل المباشر لتحديد الأسعار، أوضح أن التوجه الضريبي المقترح يتضمن رفع الضريبة على الشركات المعنية من 35 إلى 40 في المائة، في إطار يشمل قطاعات أخرى من بينها البنوك.
ويقوم هذا الاختيار على تعزيز مساهمة بعض الأنشطة الاقتصادية في الإيرادات العمومية، غير أن رفع الضريبة لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار المحروقات، كما لا يضمن بمفرده عدم انتقال جزء من الكلفة الإضافية إلى المستهلكين. ولذلك، يظل أثر الإجراء مرتبطا بتطور المنافسة داخل السوق وبمدى فعالية المراقبة الاقتصادية.
أما في ما يخص ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فقد ركز لقجع على ضرورة إصلاح البنيات التي تمر عبرها المنتجات من مناطق الإنتاج إلى المستهلكين، من خلال تحديث أسواق الجملة وتحسين قنوات التوزيع والتخزين. وفي هذا السياق، أُعلن عن تخصيص مليار درهم لتحديث 12 سوقا للجملة، إلى جانب العمل على إحداث شركات جهوية للتوزيع وتطوير البنيات اللوجستية.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن توجه يستهدف معالجة الاختلالات المرتبطة بتسويق المنتجات الغذائية، وتقليص كلفة النقل والوساطة والهدر، فضلا عن تحسين انتظام التموين. كما تناولت التدابير المطروحة تسهيل استيراد اللحوم والانفتاح على الأسواق الخارجية التي تتوفر على العرض، مع احترام الشروط الصحية والتنظيمية المعمول بها.
ويظل الرهان الأساسي في هذا المجال هو ترجمة الاستثمارات المخصصة للأسواق والتوزيع إلى نتائج ملموسة على مستوى الأسعار النهائية، لأن تحسين البنيات التجارية لا يحقق أهدافه الاجتماعية كاملة ما لم ينعكس على كلفة المشتريات اليومية للمواطنين.
وتندرج هذه التدابير ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي تسعى الحكومة من خلاله إلى التوفيق بين توسيع الإنفاق الاجتماعي والحفاظ على التوازنات المالية، في ظل حاجيات متزايدة لتمويل الصحة والتعليم والاستثمار والبنيات التحتية. ويظل بلوغ هذه الأهداف مرتبطا بتعبئة الموارد العمومية وتحسين فعالية الإنفاق وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة القادرة على خلق فرص الشغل وتعزيز الإنتاجية.
وتكشف مختلف المحاور التي تناولها لقجع عن اعتماد مقاربة تجمع بين الرفع التدريجي للدعم، وتحسين معاشات الفئات المعنية، وتخفيف العبء الضريبي عن الأجراء، والتدخل في بعض نفقات الطاقة، مقابل مواصلة الإصلاحات الضريبية وإعادة تنظيم أسواق التوزيع.
وبين الالتزامات المالية المعلنة والانتظارات الاجتماعية، ستبقى نتائج هذه التدابير مرتبطة بمدى احترام الجداول الزمنية المحددة، ووضوح شروط الاستفادة، وقدرة السياسات العمومية على إحداث تحسن فعلي في دخل الأسر وكلفة معيشتها. فالمعيار الحاسم ليس حجم الإجراءات المعلن عنها فقط، بل ما ستوفره للمواطن من أثر ملموس في حياته اليومية، ومدى قدرة الدولة على تمويلها بصورة مستدامة خلال السنوات المقبلة.




