المنصوري في موسكو.. الدبلوماسية تُقاس بالدفاع عن مصالح المغرب لا بلغة الخطاب!

الدار/ غيثة حفياني
أثارت اللغة التي اعتمدتها رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال مشاركتها في القمة الروسية الإفريقية بموسكو نقاشاً تجاوز في بعض جوانبه مضمون الزيارة وأهدافها الاستراتيجية، وكأن الحضور الدبلوماسي للمغرب ينبغي أن يُختزل في اللغة المستعملة لإلقاء كلمة، بدل التركيز على الرسائل السياسية والاقتصادية التي تحملها المشاركة.
والواقع أن الدبلوماسية ليست مسابقة في الرمزية اللغوية، بل ممارسة تقوم على البراغماتية وحسن توظيف أدوات التواصل لخدمة المصالح الوطنية. فاللغة، مهما كانت مكانتها الثقافية والحضارية، تظل في المحافل الدولية وسيلة لإيصال المواقف وبناء التفاهمات، وليست معياراً وحيداً للحكم على هوية الدولة أو مدى اعتزاز ممثليها بثوابتها.
وفي قمة دولية تضم وفوداً من عشرات الدول الإفريقية، لكل منها خصوصياتها اللغوية والمؤسساتية، يصبح اختيار لغة التواصل قراراً يرتبط بطبيعة المشاركين ومتطلبات الترجمة وضمان وصول الرسائل إلى أكبر عدد ممكن من الحاضرين. وبالتالي، فإن استعمال الفرنسية لا يعني الانتقاص من العربية، مثلما أن اعتماد الإنجليزية أو الروسية في لقاءات دولية لا يمثل تخلياً عن الهوية الوطنية.
لقد توجهت فاطمة الزهراء المنصوري إلى موسكو لتمثيل المملكة المغربية، حاملة رسائل مرتبطة بالشراكة الإفريقية، والتعاون الاقتصادي، والاستثمار، والمبادرات الملكية الرامية إلى تعزيز التكامل القاري، وليس لخوض نقاش لغوي خارج السياق الأساسي للزيارة.
والأهم أن المشاركة المغربية شكلت مناسبة لإبراز الرؤية الاستراتيجية للمملكة تجاه القارة الإفريقية، والتعريف بالمبادرات الملكية الكبرى، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، فضلاً عن الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون بين روسيا وإفريقيا.
إن الاعتزاز باللغة العربية ركيزة من ركائز الهوية المغربية، لكنه لا يتناقض مع الانفتاح على اللغات الأخرى واستعمالها في خدمة المصالح الوطنية. فالدول التي تسعى إلى توسيع نفوذها وشراكاتها لا تحصر أدواتها الدبلوماسية في لغة واحدة، وإنما تختار الوسيلة الأكثر ملاءمة لإيصال رسائلها وتحقيق أهدافها.
إن النقاش حول زيارة موسكو ينبغي أن ينصب على ما يحمله الحضور المغربي من فرص ومكاسب، وعلى مدى قدرته على تعزيز موقع المملكة داخل المعادلات الدولية والإفريقية. فالدبلوماسية الناجحة لا تُقاس باللغة التي يتحدث بها المسؤول فقط، وإنما بقدرته على تمثيل بلاده والدفاع عن مصالحها وترجمة حضورها الدولي إلى شراكات ونتائج ملموسة.




