استهداف رموز المملكة في فرنسا.. المغرب يختار القانون لمواجهة الاستفزاز الجزائري

الدار/ مريم حفياني
لم يعد استهداف العلم المغربي في عدد من المناسبات الرياضية بالخارج مجرد سلوك فردي أو حالة معزولة، بل بات يعكس، في نظر العديد من المتابعين، امتدادًا لمناخ سياسي وإعلامي مشحون غذّته السلطات الجزائرية على مدى سنوات، عبر خطاب عدائي تجاه المغرب تجاوز الخلافات الدبلوماسية ليصل إلى الشارع والجاليات المقيمة في أوروبا.
فالمشاهد التي وثقت تمزيق وإحراق وتدنيس العلم الوطني المغربي في مدينة أوبيرفيلييه الفرنسية، عقب احتفالات تأهل المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، لم تكن مجرد تجاوزات مرتبطة بحماس رياضي، بل حملت رسائل استفزازية استهدفت رمزًا سياديًا لدولة ذات سيادة، في محاولة لتحويل مناسبة رياضية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
وقد سارعت سفارة المملكة المغربية في باريس إلى التحرك عبر القنوات الرسمية، حيث أدانت هذه الأفعال بشدة، وأبلغت السلطات الفرنسية المختصة، كما تقدمت بشكاية رسمية للمطالبة بفتح تحقيق شامل وتحديد هوية المتورطين وتقديمهم أمام القضاء، في خطوة تؤكد تمسك المغرب بخيار القانون والمؤسسات بدل الانجرار إلى منطق الاستفزاز.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال التوتر السياسي بين الرباط والجزائر إلى الجاليات المغاربية في أوروبا، خصوصًا مع تكرار حوادث تستهدف الرموز الوطنية المغربية خلال المناسبات الرياضية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهات التي تستفيد من تأجيج هذا الاحتقان وإدامة أجواء الكراهية.
الخطاب العدائي الذي يطغى على جزء من الإعلام الجزائري، إلى جانب التصعيد السياسي المستمر بين الجزائر والمغرب، أسهما في خلق بيئة تسمح لبعض المتطرفين بتحويل المنافسات الرياضية إلى منصات للاستفزاز، بدل أن تبقى فضاءات للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب.
وفي المقابل، يواصل المغرب اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على الاحتكام إلى القانون الدولي والمؤسسات القضائية والدبلوماسية، وهو ما برز بوضوح في تعاطي سفارته بفرنسا مع هذه القضية، حيث فضلت اللجوء إلى القضاء الفرنسي للمطالبة بإنصاف الدولة المغربية وحماية أحد أبرز رموزها الوطنية.
وتؤكد هذه الواقعة أيضًا أن احترام الأعلام الوطنية ليس مجرد مسألة بروتوكولية، بل هو مبدأ يحظى بحماية قانونية وأخلاقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأفعال قد تحمل طابع التحريض أو إثارة الكراهية أو تهديد السلم العام داخل بلد مثل فرنسا، الذي يولي أهمية كبيرة لحماية النظام العام ومكافحة كل أشكال العنف.
ويبقى الرهان اليوم على السلطات الفرنسية في التعامل بحزم مع هذه الأفعال، ليس فقط حمايةً للجالية المغربية، بل أيضًا حفاظًا على السلم المجتمعي ومنع أي محاولات لتحويل الأراضي الفرنسية إلى ساحة لتصدير الخلافات السياسية بين الدول.
فحين تتحول المنافسة الرياضية إلى مناسبة للاعتداء على رموز دولة أخرى، فإن الأمر يتجاوز حدود التشجيع والانفعال، ويدخل في دائرة الأفعال التي تستوجب المساءلة القانونية، لأن حماية الرموز الوطنية واحترامها تظل جزءًا من احترام سيادة الدول وقواعد التعايش داخل المجتمعات الديمقراطية.
الرد الذي اختاره المغرب، والمتمثل في سلوك المسار القضائي والدبلوماسي، يعكس تمسكه بمنطق دولة المؤسسات، ويؤكد أن مواجهة الاستفزاز لا تكون بالاستفزاز، بل بتفعيل القانون ومحاسبة كل من يحاول توظيف الرياضة لبث الكراهية أو المساس برموز الدول وسيادتها.




