Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

المغرب يعيد رسم خريطة مضيق جبل طارق.. من سبتة إلى طنجة المتوسط تتغير موازين القوة

الدار/ نعيمة اخزان

لم تعد معركة النفوذ في غرب البحر المتوسط تُقاس فقط بعدد القطع البحرية أو بحجم الترسانة العسكرية، بل أصبحت تُحسم أيضاً بالموانئ، والممرات التجارية، والبنية التحتية، ومواقع العبور، والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية وسياسية. وفي هذه المعادلة الجديدة، يجد المغرب نفسه في موقع أكثر قوة مما كان عليه قبل سنوات، بعدما نجح في تحويل شمال المملكة من منطقة تقع على هامش حركة التجارة الأوروبية إلى إحدى أهم العقد اللوجستية في الطريق بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب قضية سبتة ومليلية معنى يتجاوز حدود المدينتين. فالموقع الجغرافي لسبتة يجعلها جزءاً من منظومة استراتيجية تتمحور حول مضيق جبل طارق، بينما أدى صعود ميناء طنجة المتوسط إلى تغيير عميق في الوزن الاقتصادي للمغرب داخل هذه المنطقة الحساسة. وإذا كانت إسبانيا تمتلك وجوداً تاريخياً على الضفة الجنوبية للمضيق من خلال سبتة، فإن المغرب استطاع خلال العقدين الأخيرين أن يبني نفوذه بطريقة مختلفة: عبر الاقتصاد، والموانئ، والاستثمار، وشبكات النقل، والشراكات الدولية.

مضيق جبل طارق ليس مجرد ممر مائي يفصل إفريقيا عن أوروبا، وإنما أحد أهم شرايين التجارة البحرية العالمية. فهو يربط المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط، وتعبره سنوياً أعداد ضخمة من السفن التجارية وناقلات الطاقة. وتقدر السلطات في جبل طارق حركة العبور بنحو 120 ألف سفينة سنوياً، وهو ما يفسر الحساسية الاستثنائية التي تحيط بكل موقع يطل على المضيق أو يؤثر في حركة الملاحة داخله.

لكن أهمية المضيق بالنسبة إلى المغرب لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من حقيقة أن المملكة أصبحت تمتلك على ضفته الجنوبية بنية تحتية قادرة على تحويل هذا الموقع إلى نفوذ اقتصادي فعلي. وهنا يأتي ميناء طنجة المتوسط باعتباره أبرز تحول في المعادلة.

فالميناء الذي بدأ كمشروع استراتيجي قبل نحو عقدين أصبح اليوم منصة عالمية للمناولة وإعادة التصدير والصناعة والخدمات اللوجستية. وفي عام 2025 تجاوز طنجة المتوسط للمرة الأولى حاجز 11 مليون حاوية نمطية، مسجلاً 11.1 مليون حاوية، كما تعامل مع نحو 161 مليون طن من البضائع. هذه الأرقام لا تعكس مجرد نمو ميناء مغربي، وإنما تكشف انتقال مركز الثقل التجاري تدريجياً نحو الضفة الجنوبية للمضيق.

والأهم من الأرقام نفسها أن طنجة المتوسط لم يُبنَ ليكون ميناءً مغربياً تقليدياً يخدم السوق الداخلية فقط، بل جرى تصميمه ليكون منصة مرتبطة مباشرة بخطوط الملاحة العالمية. ومن خلال المناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به، أصبح الميناء جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة تستقطب شركات دولية كبرى، ولا سيما في قطاع السيارات والصناعات المرتبطة بها.

وهنا تكمن إحدى نقاط القوة المغربية الأساسية. فالمملكة لم تدخل المنافسة مع الموانئ الإسبانية من خلال محاولة تقليدها، بل اختارت بناء نموذج مختلف يقوم على استغلال الموقع الجغرافي بأقصى درجة وربطه بالصناعة والتجارة الدولية. ومع مرور الوقت، أصبح طنجة المتوسط منافساً حقيقياً على حركة الحاويات وإعادة الشحن والخدمات اللوجستية في غرب المتوسط.

وفي المقابل، تظل موانئ إسبانيا، وعلى رأسها الجزيرة الخضراء، من أكبر المراكز البحرية في المنطقة، ولا يمكن الحديث عن انهيارها أو فقدانها لدورها. لكن صعود طنجة المتوسط فرض واقعاً جديداً: لم تعد الضفة الأوروبية هي الطرف الوحيد الذي يمتلك البنية التحتية القادرة على استثمار حركة الملاحة في المضيق، بل أصبح للمغرب مركز بحري عالمي على بعد مسافة قصيرة من أوروبا.

وهذا التحول الاقتصادي له انعكاسات سياسية وجيوسياسية لا يمكن تجاهلها. فكلما ارتبطت الشركات العالمية وخطوط الملاحة وسلاسل الإمداد بالموانئ المغربية، أصبحت قيمة الموقع المغربي أكبر في الحسابات الأوروبية. وبمعنى آخر، تحولت الجغرافيا المغربية من عامل ثابت إلى مصدر متنامٍ للقوة.

ومن هنا يمكن فهم حساسية إسبانيا تجاه مستقبل سبتة. فالمدينة توجد في موقع شديد القرب من مضيق جبل طارق، وتطل على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، وفي الوقت نفسه تقع داخل المجال الجغرافي المغربي. وبالنسبة إلى مدريد، فإن المحافظة على سبتة لا ترتبط فقط باعتبارات تاريخية أو سياسية، وإنما أيضاً بحسابات استراتيجية تتعلق بالوجود الإسباني في شمال إفريقيا.

لكن القول إن فقدان سبتة يعني تلقائياً أن إسبانيا ستفقد السيطرة على مضيق جبل طارق سيكون تبسيطاً مفرطاً. فالمضيق ليس تحت سيطرة إسبانيا وحدها، إذ توجد بريطانيا في جبل طارق، بينما يمتلك المغرب موقعاً جغرافياً حاسماً على الضفة الجنوبية، كما أن الملاحة الدولية والقانون البحري والتوازنات العسكرية للناتو والاتحاد الأوروبي كلها عوامل تدخل في تحديد طبيعة النفوذ في المنطقة.

مع ذلك، فإن فقدان سبتة، لو حدث في سياق افتراضي، سيعني بلا شك تغيراً مهماً في الانتشار الإسباني على الساحل الإفريقي، وسيعيد ترتيب جزء من المعادلة الاستراتيجية حول المضيق. ولهذا فإن القيمة الحقيقية للمدينة لا تقاس بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بموقعها.

وهنا يصبح الفرق بين النفوذ المغربي والنفوذ الإسباني أكثر وضوحاً. إسبانيا تمتلك وجوداً إقليمياً قائماً منذ قرون، بينما عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على بناء نفوذ جديد يقوم على الاقتصاد والبنية التحتية والشراكات الدولية. والنتيجة أن المملكة لم تعد تتعامل مع موقعها في المضيق باعتباره مجرد حقيقة جغرافية، وإنما أصبحت قادرة على تحويله إلى أصل اقتصادي واستراتيجي.

حتى ملف الهجرة، الذي غالباً ما يُقدم باعتباره العامل الأساسي وراء التوتر حول سبتة، لا يمكن فصله تماماً عن هذه المعادلة. فإسبانيا تنظر إلى المدينة باعتبارها جزءاً من حدودها الخارجية، بينما يرى المغرب أن وجود المدينتين الإسبانيتين على أراضيه يشكل استمراراً لوضع استعماري لم يُغلق ملفه سياسياً. ولذلك فإن أي أزمة كبيرة حول الحدود قد تنتقل بسرعة من قضية أمنية إلى أزمة سياسية تتعلق بالسيادة.

وتزداد حساسية هذا الملف عندما تُطرح مسألة الناتو. فسبتة ومليلية ليستا حالة بسيطة من الناحية القانونية داخل منظومة الدفاع الجماعي للحلف، إذ إن المادة السادسة من معاهدة واشنطن تحدد النطاق الجغرافي للمادة الخامسة، وهو ما جعل وضع المدينتين موضوع نقاش منذ سنوات. وهذا لا يعني أن إسبانيا تفتقر إلى الحماية أو أنها معزولة أمنياً، لكنه يعني أن السيناريوهات المتعلقة بتطبيق الضمانة الجماعية في حال وقوع نزاع حول المدينتين ليست مطابقة بصورة آلية لسيناريو هجوم على الأراضي الأوروبية لإحدى دول الحلف.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن هذا التعقيد يمنحه هامشاً مهماً في إدارة ملف بالغ الحساسية. فالمملكة لا تحتاج إلى تحويل القضية إلى مواجهة مباشرة حتى تظل حاضرة في المعادلة؛ يكفي أن تستمر في تعزيز موقعها الاقتصادي واللوجستي والاستراتيجي، لأن قوة الموقع تصبح مع مرور الوقت ورقة تفاوضية بحد ذاتها.

والواقع أن طنجة المتوسط يقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فقبل سنوات كان الحديث عن شمال المغرب يرتبط أساساً بالهجرة والحدود والتجارة العابرة، أما اليوم فأصبح الحديث عن المنطقة مرتبطاً بالحاويات وسلاسل الإمداد والصناعة العالمية والموانئ العملاقة. وهذا تغيير استراتيجي عميق في صورة المغرب داخل المعادلة الأوروبية.

لقد أصبح بإمكان المملكة أن تقدم نفسها لأوروبا ليس فقط كشريك في مكافحة الهجرة أو كجار جنوبي، وإنما أيضاً كمنصة صناعية ولوجستية ضرورية للشركات الأوروبية. وهذا التحول يعزز القدرة المغربية على التفاوض في ملفات متعددة، من التجارة والطاقة إلى الأمن والهجرة والاستثمار.

وفي المقابل، تواجه إسبانيا واقعاً جديداً لا تستطيع تجاهله: الطرف الجنوبي للمضيق لم يعد مجرد منطقة عبور، وإنما أصبح مركزاً اقتصادياً قادراً على منافسة موانئ الضفة الشمالية. ومع استمرار توسع طنجة المتوسط وتطور البنية التحتية للنقل والصناعة في شمال المملكة، فإن الفجوة القديمة بين القدرات اللوجستية للضفتين تتقلص بصورة واضحة.

ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ”حرب الممرات”، وهي حرب لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة. إنها منافسة على السفن، والحاويات، والاستثمارات، وخطوط التجارة، ومراكز الطاقة، والمناطق الصناعية، ومواقع إعادة الشحن، والأهم من ذلك على من يستطيع أن يجعل الآخرين أكثر اعتماداً على بنيته التحتية.

وفي هذه المنافسة يمتلك المغرب ورقة جغرافية استثنائية: واجهة أطلسية واسعة، وموقعاً على المتوسط، وقرباً شديداً من أوروبا، ومضيق جبل طارق أمامه، وميناء طنجة المتوسط كأداة اقتصادية متقدمة، إضافة إلى شبكة متنامية من البنى التحتية التي تربط شمال المملكة ببقية الاقتصاد الوطني.

لذلك فإن مستقبل سبتة لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال ما يحدث عند المعبر الحدودي أو من خلال أعداد المهاجرين الذين يحاولون الوصول إليها. المدينة تقع في قلب منطقة يتغير فيها ميزان القوة الاقتصادي بسرعة. وكلما ازداد وزن طنجة المتوسط، وكلما تعمقت العلاقات التجارية والصناعية بين المغرب وأوروبا، أصبحت الجغرافيا المغربية أكثر حضوراً في الحسابات الأوروبية.

وقد تكون هذه هي المفارقة الأبرز في المشهد: إسبانيا تمتلك سبتة منذ زمن طويل، لكن المغرب هو الذي يزداد قوة في البيئة الجغرافية المحيطة بها.

وبالتالي، فإن المعادلة المستقبلية لن تكون بالضرورة بين من يملك المدينة ومن يطالب بها فقط، بل بين من يملك القدرة على التأثير في المجال الذي توجد فيه المدينة. وهنا تتقدم المملكة المغربية بأدوات لم تكن متاحة لها بالدرجة نفسها قبل عقدين: ميناء عالمي، شبكة صناعية، استثمارات ضخمة، موقع جغرافي لا يمكن تغييره، وعلاقات اقتصادية متشابكة مع أوروبا وإفريقيا وبقية العالم.

لهذا تبدو قضية سبتة أكبر من حدود مدينة، وأوسع من ملف هجرة، وأعمق من خلاف دبلوماسي. إنها جزء من إعادة تشكيل تدريجية لخريطة النفوذ في غرب المتوسط. وفي هذه الخريطة الجديدة، لم يعد المغرب يقف فقط على الضفة الجنوبية للمضيق، بل أصبح لاعباً اقتصادياً ولوجستياً يمتلك القدرة على تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة مؤثرة.

وبين سبتة وطنجة المتوسط وجبل طارق والجزيرة الخضراء، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الحقيقي ليس الحرب العسكرية، وإنما السيطرة على الممرات الاقتصادية والاستراتيجية. وفي هذه المعادلة، يبدو أن المغرب بدأ ينتقل من موقع المتأثر بالجغرافيا إلى موقع القادر على توظيفها لصالحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى