Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوسالمغرب

المغرب أقوى من الضجيج: ثوابت راسخة ودبلوماسية تعرف طريقها

 

الدار/ إيمان العلوي

في زمن أصبحت فيه الضجة الإعلامية تُقدَّم أحياناً على أنها قوة سياسية، يثبت المغرب، مرة أخرى، أن الدول لا تُقاس بارتفاع أصواتها، ولا بعدد الحملات التي تخوضها، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها الوطنية، وترسيخ ثوابتها، وإدارة علاقاتها الدولية بعقل استراتيجي هادئ وواثق.

لهذا، فإن المملكة المغربية ليست في حاجة إلى صناعة معركة إعلامية مع إسبانيا، ولا إلى الدخول في سجالات مفتوحة كلما ظهرت تصريحات أو مواقف عابرة. فالمغرب الذي يعرف جيداً ما يريد، لا يحتاج إلى تحويل كل اختلاف إلى أزمة، ولا كل نقاش إلى مواجهة. قوته الحقيقية تظهر في قدرته على الفصل بين الضجيج الظرفي والحسابات الاستراتيجية التي تُبنى عليها علاقات الدول.

والواقع أن مسار العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة يقدم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تحاول بعض الأصوات رسمها. فالعلاقة بين الرباط ومدريد أصبحت قائمة على شبكة واسعة من المصالح المتبادلة، تشمل التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والطاقة والنقل والبنية التحتية والتعاون الاقتصادي والإنساني. وفي أبريل 2025، أكدت الحكومة الإسبانية أن المغرب يمثل شريكاً استراتيجياً من الدرجة الأولى بالنسبة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي، كما شددت على النتائج الإيجابية للتعاون الثنائي في ملفات الهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

الأرقام بدورها أكثر بلاغة من الخطب. فقد بلغ حجم المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا سنة 2024 حوالي 22.7 مليار يورو، وهو مستوى قياسي يعكس عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين. كما أن آلاف الشركات الإسبانية تنشط في السوق المغربية، بينما توجد مئات الشركات الإسبانية باستثمارات وفروع داخل المملكة. وهذه المصالح المتشابكة تجعل العلاقة بين البلدين أكبر بكثير من أن تُختزل في سجال إعلامي أو تصريح سياسي عابر.

إن المغرب لا يتعامل مع إسبانيا باعتبارها خصماً دائماً، ولا يتعامل معها في الوقت نفسه باعتبارها طرفاً يمكنه فرض شروطه على المملكة. المعادلة المغربية أكثر وضوحاً: احترام متبادل، مصالح مشتركة، تعاون حيث توجد المصالح، وتمسك كامل بالثوابت الوطنية حيث يتعلق الأمر بالقضايا السيادية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية السياسة المغربية في السنوات الأخيرة. فالرباط لم تعد تنظر إلى علاقاتها الدولية بمنطق الارتهان لشريك واحد، وإنما تعمل على بناء شبكة واسعة ومتنوعة من الشراكات في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي ومناطق أخرى. هذا التنويع يمنح المغرب هامشاً أكبر للمناورة، ويجعل قراراته الخارجية أقل قابلية للضغط أو الابتزاز السياسي.

وفي الوقت نفسه، فإن المملكة راكمت حضوراً متزايداً في ملفات أصبحت ذات أهمية مركزية بالنسبة إلى أوروبا، وفي مقدمتها الأمن والهجرة ومحاربة الجريمة المنظمة والاستثمار والطاقة والتعاون الاقتصادي مع إفريقيا. وهذا ما يجعل استقرار العلاقة مع المغرب مصلحة أوروبية حقيقية، وليس مجرد امتياز تقدمه أوروبا للمملكة.

ومن الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن الهدوء المغربي يعني غياب الحزم. فالدبلوماسية الهادئة لا تعني دبلوماسية مترددة، كما أن عدم الانخراط في حرب كلامية لا يعني التخلي عن المواقف الوطنية. على العكس، كثيراً ما يكون ضبط النفس أكثر تعبيراً عن الثقة من الردود المتسرعة، خصوصاً عندما تكون الدولة قادرة على الدفاع عن مصالحها عبر المؤسسات والقنوات الدبلوماسية والاقتصادية والاستراتيجية.

وفي قضية الوحدة الترابية، تحديداً، يظل الموقف المغربي قائماً على ثبات واضح واستمرارية سياسية ودبلوماسية، ولا يحتاج إلى إثبات نفسه عبر الحملات اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي. فالقضايا الاستراتيجية لا تُحسم بمنشور عابر، ولا بتصريح غاضب، وإنما بتراكم المواقف والاتفاقيات والشراكات والاعترافات والمصالح التي تبنيها الدول على مدى سنوات.

كما أن الشعب المغربي، في مختلف مكوناته، يدرك أن الدفاع عن الوحدة الترابية ليس موسماً إعلامياً ينتهي بانتهاء حملة أو هاشتاغ، وإنما قضية وطنية ثابتة. غير أن قوة الموقف الشعبي لا ينبغي أن تتحول إلى انفعال دائم، بل إلى وعي سياسي يميز بين ما يستحق المواجهة وما لا يستحق سوى التجاهل.

ومن هذه الزاوية، فإن أفضل رد على أي محاولة للضغط على المغرب ليس الصراخ، وإنما المزيد من العمل، والمزيد من بناء القوة الاقتصادية، والمزيد من تنويع الشراكات، والمزيد من الحضور الدبلوماسي، والمزيد من ترسيخ موقع المملكة كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوز مصالحه.

إسبانيا نفسها تدرك هذه الحقيقة. فخلال الاجتماع رفيع المستوى المغربي الإسباني في ديسمبر 2025، تم توقيع 14 اتفاقية تعاون في مجالات مختلفة، في مؤشر إضافي على أن العلاقة الثنائية تتجه نحو توسيع التعاون المؤسساتي بدلاً من الانزلاق إلى منطق المواجهة. كما تؤكد مدريد باستمرار أهمية التعاون مع الرباط في ملفات استراتيجية تمس مباشرة المصالح الإسبانية والأوروبية.

وهذا هو الفارق بين دولة تبحث عن انتصار إعلامي سريع ودولة تبني نفوذها على المدى الطويل. الأولى قد تحقق ضجيجاً مؤقتاً، أما الثانية فتراكم أوراق القوة بصمت.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى إثبات أنه قادر على الرد، لأن امتلاك عناصر القوة يجعل الرد خياراً وليس ضرورة يومية. ولا يحتاج إلى الدخول في معركة مع إسبانيا كي يؤكد استقلال قراره، لأن العلاقات الدولية نفسها تثبت أن الرباط قادرة على التعاون عندما يخدم ذلك مصالحها، وعلى الدفاع عن ثوابتها عندما يتعلق الأمر بقضاياها الوطنية.

إن الرسالة المغربية الأكثر قوة ليست رسالة تهديد ولا رسالة تصعيد، بل رسالة ثقة: المملكة تريد علاقات مستقرة ومتوازنة مع جيرانها وشركائها، لكنها في الوقت نفسه تعرف حدود مصالحها، وتدرك ثوابتها، ولا تسمح بتحويلها إلى ورقة ضغط.

وفي عالم السياسة الدولية، قد يكون الصمت أحياناً أكثر قوة من الخطاب، وقد تكون المصالح أكثر تأثيراً من الحملات، وقد يكون تراكم الإنجازات أكثر إقناعاً من مئات التصريحات.

لهذا، فإن المغرب لا يحتاج إلى الصراخ حتى يُسمع صوته، ولا إلى افتعال الخصومات حتى يثبت قوته. يكفي أن ينظر المرء إلى موقعه الاقتصادي والاستراتيجي، وإلى شبكة شراكاته، وإلى حضوره الإفريقي، وإلى علاقاته الأوروبية، وإلى صلابة ثوابته الوطنية، ليدرك أن المملكة اختارت طريقاً أكثر هدوءاً، لكنه أكثر عمقاً وتأثيراً.

المغرب لا يبحث عن معركة مع إسبانيا، بل عن علاقة تخدم مصالحه. ولا يبحث عن تصفيق إعلامي، بل عن نتائج. ولا يحتاج إلى رفع صوته، لأن الوقائع تتحدث عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى