Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار الدار بلوس

من أوراش الأحرار إلى امتحان البام.. هل يتحول انتصار الصندوق إلى نجاح في تدبير الدولة؟

الدار/ تحليل

لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية محطة لتغيير ترتيب الأحزاب داخل البرلمان فحسب، بل شكلت بداية مرحلة سياسية جديدة في المغرب، بعدما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة المشهد الانتخابي بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حل ثانياً بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً.

غير أن تصدر الانتخابات شيء، وقيادة الحكومة وتدبير الدولة شيء آخر.

فهذه المرة، لا يتعلق الأمر بمجرد انتقال في المراكز داخل مجلس النواب، وإنما بانتقال محتمل من مرحلة قاد فيها التجمع الوطني للأحرار الحكومة وتحمل كلفة القرار السياسي والتنفيذي، إلى مرحلة قد يجد فيها الأصالة والمعاصرة نفسه في موقع المسؤولية الأولى عن تدبير الشأن العام.

وهنا تحديداً يبدأ الامتحان الأصعب.

الأحرار دفع ثمن موقع القيادة

خلال الولاية الحكومية السابقة، كان التجمع الوطني للأحرار في الواجهة المباشرة للقرار، وهو ما جعله يتحمل الجزء الأكبر من تبعات السياسات العمومية والقرارات الحكومية، سواء تعلق الأمر بالأسعار والقدرة الشرائية، أو بالتشغيل والاستثمار، أو بالإصلاحات الاجتماعية الكبرى.

وفي مقدمة الأوراش التي ارتبطت بهذه المرحلة، يبرز تنزيل منظومة الحماية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، إلى جانب استمرار مشاريع البنية التحتية والاستثمار والإصلاحات الاقتصادية.

وقدمت الحكومة هذه الأوراش باعتبارها انتقالاً من مرحلة الدعم الظرفي إلى بناء منظومة اجتماعية أكثر استهدافاً وتنظيماً، في وقت واجه فيه الاقتصاد المغربي تحديات متتالية، من الجفاف وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية إلى تداعيات الأزمات الدولية.

وبغض النظر عن اختلاف التقييمات السياسية لهذه الحصيلة، فإن الثابت أن الأحرار لم يكن خلال السنوات الخمس الماضية حزباً يراقب من الخارج، بل كان الحزب الذي يقود الحكومة ويتحمل مسؤولية القرار أمام الرأي العام.

وهذه نقطة أساسية في قراءة نتيجة 2026.

فالحزب الذي يقود الحكومة يدفع عادة ثمن الملفات التي لم تُحل بالسرعة التي ينتظرها المواطن، حتى وإن كانت بعض أسبابها مرتبطة بعوامل دولية أو ظرفية خارجة عن إرادته.

«البام» أمام انتقال من الشراكة إلى القيادة

في المقابل، فإن تصدر الأصالة والمعاصرة يضعه أمام معادلة مختلفة تماماً.

فالحزب الذي شارك في الحكومة السابقة، واستفاد من موقعه داخل الأغلبية ومن مسؤولية تدبير عدد من القطاعات الوزارية، سيكون مطالباً في المرحلة المقبلة ـ إذا كُلف بتشكيل الحكومة ـ بالانتقال من موقع الشريك إلى موقع صاحب المسؤولية الأولى.

وهذا الانتقال ليس تفصيلاً سياسياً.

فداخل الحكومة، يمكن للحزب أن يختلف مع بعض الاختيارات أو أن يسجل تحفظات على تدبير بعض الملفات. أما عندما يصبح هو من يقود الحكومة، فإن هامش توزيع المسؤولية يتقلص، ويصبح رئيس الحكومة وحزبه في قلب المساءلة عن الحصيلة العامة.

وسيجد «البام» نفسه أمام الملفات نفسها التي شكلت محور النقاش خلال الولاية السابقة: الأسعار، التشغيل، الاستثمار، التعليم، الصحة، السكن، الحماية الاجتماعية، التنمية المجالية، ودعم القدرة الشرائية.

وبالتالي، فإن المواطن لن ينتظر من الحكومة المقبلة خطاباً انتخابياً جديداً فقط، بل سيقارن بين الوعود والنتائج.

الاختبار الأكبر أمام الأصالة والمعاصرة سيكون قدرته على الانتقال من خطاب المشاركة السياسية إلى هندسة سياسة حكومية متكاملة.

فقيادة الحكومة لا تعني فقط توزيع الحقائب الوزارية أو تشكيل أغلبية برلمانية، وإنما تعني وضع أولويات واضحة، وضمان الانسجام بين القطاعات، وتدبير الموارد المالية، واتخاذ قرارات قد تكون مكلفة سياسياً لكنها ضرورية من منظور التدبير العمومي.

كما أن حصول «البام» على 97 مقعداً لا يمنحه أغلبية منفردة، ما يعني أن تشكيل الحكومة سيحتاج إلى تحالفات وتفاهمات مع أحزاب أخرى، الأمر الذي سيجعل طبيعة الأغلبية المقبلة وتركيبتها من أول الاختبارات السياسية للحزب المتصدر.

ومن الملفات التي طبعت العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار خلال المرحلة السابقة قضية انتقال عدد من المنتخبين والمرشحين بين الحزبين.

وقد وجه الأحرار خلال الحملة الانتخابية اتهامات إلى «البام» بشأن استقطاب منتخبين ومرشحين، بينما قدم الطرف الآخر روايات مغايرة بشأن دوافع هذه الانتقالات.

وتظل هذه الاتهامات جزءاً من السجال السياسي والانتخابي، ولا ينبغي التعامل معها كإدانة قضائية ما لم تؤكدها الجهات المختصة.

لكن سياسياً، فإنها تطرح سؤالاً مهماً حول طبيعة البنية الحزبية المغربية: هل تقوم قوة الأحزاب على امتلاك قواعد تنظيمية وشعبية مستقرة، أم يمكن أن تتأثر بشكل كبير بحركة المنتخبين والفاعلين المحليين بين التنظيمات؟

وهذا السؤال لا يخص «البام» وحده، وإنما يهم المشهد الحزبي برمته.

ومن الخطأ أيضاً إنكار الحضور الانتخابي للأصالة والمعاصرة بعد حصوله على 97 مقعداً وتصدره النتائج.

لكن التمييز يظل ضرورياً بين القوة الانتخابية في استحقاق محدد وبين الرسوخ التنظيمي والشعبي طويل الأمد.

فالاختبار الحقيقي لأي حزب لا ينتهي بإعلان النتائج، وإنما يبدأ بعد ذلك، عندما يصبح مطالباً بالحفاظ على الثقة التي منحها له الناخبون.

وفي حالة «البام»، ستكون المسؤولية أكبر إذا انتقل إلى قيادة الحكومة، لأن كل تراجع في الأداء سيُقرأ حينها باعتباره تراجعاً في أداء الحزب الذي يقود السلطة التنفيذية، وليس مجرد موقف لحزب مشارك في الأغلبية.

أما التجمع الوطني للأحرار، فإن خسارته للصدارة لا تلغي تجربته الحكومية.

لقد انتقل الحزب من موقع القيادة إلى المرتبة الثانية، لكنه يحتفظ بتجربة خمس سنوات في تدبير الحكومة، وبإمكانه أن يحول هذه التجربة إلى رصيد سياسي وبرلماني خلال المرحلة المقبلة.

وسيكون أمامه تحدي الدفاع عن حصيلته بالأرقام، وتوضيح ما يعتبره إنجازات للولاية السابقة، ومواصلة الدفاع عن الأوراش الاجتماعية والاقتصادية التي أطلقت خلال فترة قيادته للحكومة.

كما أن وجوده في المرتبة الثانية يمنحه موقعاً وازناً داخل البرلمان، يمكنه من مراقبة الحكومة المقبلة ومساءلتها حول البرامج والتعهدات التي ستقدمها.

وهنا قد تبدأ مرحلة سياسية جديدة بالنسبة إلى الأحرار أيضاً: الانتقال من مسؤولية التنفيذ إلى مسؤولية المعارضة البرلمانية والمساءلة السياسية، مع امتلاك الحزب معرفة دقيقة بتفاصيل الملفات التي سيتولى خصمه السياسي تدبيرها.

لقد أعطت صناديق الاقتراع الأصالة والمعاصرة صدارة الانتخابات، ومنحت التجمع الوطني للأحرار المرتبة الثانية.

لكن الصندوق حسم ترتيب الأحزاب، ولم يحسم مسبقاً نجاح التجربة الحكومية المقبلة.

الأحرار سيُطالب بالدفاع عن حصيلته بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة، بينما سيكون «البام» أمام مهمة تحويل انتصاره الانتخابي إلى مشروع حكومي قادر على الاستمرار وتحقيق النتائج.

وبين التجربتين، ستبقى الملفات الكبرى نفسها فوق الطاولة: القدرة الشرائية، التشغيل، الاستثمار، الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، السكن، التنمية المجالية، والبنيات التحتية.

وهنا ستتحول المعادلة السياسية من سؤال: ماذا أنجز الأحرار خلال خمس سنوات من قيادة الحكومة؟ إلى سؤال جديد أكثر ارتباطاً بالمستقبل: ماذا سيقدم الأصالة والمعاصرة عندما ينتقل من موقع الشريك إلى موقع القيادة؟

فالفوز الانتخابي يمنح الحزب المتصدر حق التقدم في المشهد السياسي، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام مسؤولية أكبر: تحويل أصوات الناخبين إلى سياسات عمومية، والبرامج إلى نتائج، والوعود إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

أما الأحرار، فإن مغادرته صدارة المشهد الحكومي لا تعني نهاية حضوره السياسي، بل قد تفتح أمامه مرحلة جديدة للدفاع عن حصيلته ومراقبة الحكومة المقبلة من موقع أكثر قوة في المعارضة البرلمانية.

لن يكون ترتيب ليلة الانتخابات وحده هو ما سيحدد صورة كل حزب، وإنما الحصيلة التي ستُكتب خلال السنوات المقبلة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى