النظام العسكري الجزائري يغامر بأرواح جنوده في النيجر.. هل يتحولون إلى صيد سهل للجماعات المسلحة؟

الدار/ إيمان العلوي
يفتح قرار السلطات الجزائرية إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، تحت مبرر حماية منشآت نفطية، نقاشاً سياسياً وأمنياً يتجاوز حدود التعاون الثنائي بين البلدين، ليطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات النظام العسكري الجزائري، وحدود تدخله في محيط إقليمي يعيش على وقع اضطرابات أمنية وصراعات معقدة في منطقة الساحل الإفريقي.
ففي الوقت الذي تواجه فيه الجزائر تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى الضغوط المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية، يبدو أن صناع القرار في البلاد يتجهون إلى توسيع الحضور العسكري خارج الحدود، في خطوة تفرض مساءلة سياسية بشأن كلفتها المحتملة، وأهدافها الحقيقية، والضمانات المتاحة لتفادي انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إرسال وحدات عسكرية إلى دولة مجاورة، بل بخيار استراتيجي محفوف بالمخاطر، بالنظر إلى طبيعة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع التنافس الإقليمي والدولي، وتظل الحدود الواسعة وصعوبة مراقبتها عاملين يزيدان من تعقيد أي انتشار عسكري طويل الأمد.
ويضع هذا التوجه النظام الجزائري أمام معادلة صعبة: كيف يمكن تبرير توسيع الالتزامات الأمنية خارج البلاد، في وقت ينتظر فيه المواطنون حلولاً ملموسة لمشاكلهم اليومية؟ وأي ضمانات سياسية وعسكرية تحول دون تحول مهمة يفترض أنها محدودة إلى عبء إضافي على الدولة والجيش والمجتمع؟
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تمر بها النيجر، حيث لا يمكن التعامل مع التوازنات الداخلية والإقليمية باعتبارها مسألة تقنية مرتبطة بحماية منشآت اقتصادية فحسب. فأي تحرك عسكري أجنبي يحتاج إلى إطار قانوني واضح، وتنسيق معلن مع السلطات المعنية، وتحديد دقيق لطبيعة المهمة ومدتها وقواعد الاشتباك، فضلاً عن توضيح المسؤوليات في حال وقوع خسائر بشرية أو توسع نطاق العمليات.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بقدرة الجيش الجزائري على تنفيذ مهمة خارجية، بل بمدى وضوح الرؤية السياسية التي تقف وراءها. فالتجارب الأمنية في منطقة الساحل أظهرت أن الانتشار العسكري، مهما كانت مبرراته المعلنة، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار، وأن غياب التوافق السياسي المحلي قد يحول أي تدخل إلى مصدر إضافي للتوتر بدل أن يكون مدخلاً للحل.
كما أن الزج بالمؤسسة العسكرية في التزامات خارجية جديدة يثير مخاوف بشأن احتمال تحميل الجنود الجزائريين كلفة خيارات لم تتضح بعد نتائجها النهائية. فحياة العسكريين ليست تفصيلاً هامشياً في حسابات السياسة الخارجية، وأي قرار بإرسالهم إلى منطقة مضطربة ينبغي أن يستند إلى تقييم واقعي للمخاطر، لا إلى اعتبارات النفوذ أو الرغبة في تثبيت الحضور الإقليمي.
وفي المقابل، لا يمكن فصل النقاش حول هذا القرار عن المطالب الداخلية المرتبطة بتحسين الأوضاع المعيشية وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام. فالمواطن الجزائري من حقه أن يعرف الأسس التي يقوم عليها القرار العسكري، والكلفة المالية المتوقعة، والأهداف المحددة، والآليات التي ستضمن عدم تحول المهمة إلى التزام مفتوح يستنزف الموارد البشرية والمادية للبلاد.
ويواجه النظام العسكري، الذي ظل للجيش فيه دور محوري في الحياة السياسية، اختباراً جديداً بشأن قدرته على تقديم تبريرات مقنعة لخياراته الخارجية. فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بحجم العتاد أو نطاق الانتشار، وإنما أيضاً بمدى ارتباطها باستراتيجية واضحة تحمي الأمن الوطني وتتفادى المغامرات غير المحسوبة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن أي تحرك جزائري داخل النيجر ينبغي أن يراعي سيادة هذا البلد وحساسية علاقاته مع جيرانه، خصوصاً في ظل التوترات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة. فالتعاون الأمني بين الدول الإفريقية يمكن أن يكون ضرورياً لمواجهة التهديدات المشتركة، لكنه يفقد مبرراته إذا تحول إلى مصدر للريبة أو إلى وسيلة لتوسيع النفوذ على حساب الثقة المتبادلة.
لا يحتاج الجزائريون إلى قرارات خارجية مثيرة للجدل بقدر حاجتهم إلى سياسة واضحة تضع الاستقرار الداخلي والقدرة الشرائية وفرص العمل في صدارة الأولويات. وإذا كانت حماية المنشآت النفطية في النيجر هي الهدف المعلن، فإن المطلوب من السلطات الجزائرية تقديم تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة المهمة وحدودها القانونية والأمنية، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام التساؤلات والتأويلات.
إن أخطر ما قد يواجه أي دولة ليس مجرد المخاطر القادمة من خارج حدودها، بل اتخاذ قرارات استراتيجية من دون نقاش عام كافٍ أو مساءلة واضحة عن نتائجها. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي أمام النظام الجزائري يتمثل في إثبات أن تحركاته الإقليمية تخدم أمن المواطنين ومصالح البلاد، لا أنها تضيف جبهة جديدة من المخاطر إلى واقع داخلي يحتاج، قبل كل شيء، إلى حلول اقتصادية واجتماعية مستدامة.




