منصف الطوب: أحداث سبتة هجرة نحو المجهول وإسبانيا تتحمل مسؤولية الأحداث

أحمد البوحساني
اعتبر منصف الطوب، البرلماني عن إقليم تطوان وعضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، أن موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها المنطقة يوم 30 يوليوز 2026 باتجاه مدينة سبتة المحتلة، تجاوزت مفهوم الأزمة العابرة، وتحولت إلى ظاهرة تستدعي قراءة عميقة لخلفياتها الاجتماعية والاقتصادية والتواصلية.
وقال الطوب، إن ما حدث يمكن وصفه بأنه “هجرة نحو المجهول”، خصوصاً بعدما شملت المحاولات أطفالاً وقاصرين في أعمار صغيرة جداً، إلى جانب أسر ونساء وشباب، مشيراً إلى أن بعض الأطفال الذين وصلوا إلى محيط المعبر الحدودي لا تتجاوز أعمارهم ست أو سبع أو ثماني سنوات.
وأوضح البرلماني أن الظاهرة لم تعد تقتصر على أبناء المناطق الشمالية، بعدما أظهرت المعطيات المتداولة وصول شباب وقاصرين من مدن بعيدة، من بينها أكادير ومراكش والرباط والقنيطرة، وهو ما يؤكد، حسب تقديره، أن الأمر لم يكن مجرد تحرك عفوي أو حدث معزول، بل نتيجة تداخل مجموعة من العوامل التي تستوجب الوقوف عند أسبابها الحقيقية.
معلومات متداولة خلقت جاذبية وهمية نحو سبتة :
ويرى الطوب أن جزءاً من خلفيات ما وقع يرتبط بالطريقة التي جرى بها تداول بعض القرارات والتطورات المرتبطة بوضعية المهاجرين والقاصرين في إسبانيا.
وأشار إلى قرار قضائي إسباني صدر في 8 يوليوز، معتبراً أن مضامينه جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة غير دقيقة، ما خلق لدى بعض الشباب والقاصرين انطباعاً مفاده أن الوصول إلى سبتة، سواء عبر البحر أو من خلال المعبر، قد يتيح لهم تسوية وضعيتهم القانونية والبقاء داخل الأراضي الإسبانية.
وانتقد الطوب ما اعتبره ضعفاً في التواصل الاستباقي من الجانب الإسباني لتوضيح حقيقة القرار وشروط الاستفادة منه، خصوصاً عبر المنصات الرقمية الأكثر استخداماً من طرف الشباب، مثل تيك توك وإنستغرام وفيسبوك.
وأكد أن انتشار المعلومات غير الدقيقة، عندما يتحول إلى مصدر رئيسي للمعلومة بالنسبة إلى الأطفال والمراهقين، يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة، داعياً إلى اعتماد حملات تواصلية واضحة ومتعددة اللغات لتفنيد الإشاعات وشرح القوانين والإجراءات بشكل مبسط ومباشر.
وأضاف أن الأمر لم يقتصر على المغاربة، بل شمل أيضاً أشخاصاً من جنسيات إفريقية مختلفة، وهو ما يؤكد، في نظره، أن تأثير المعلومات المتداولة تجاوز الحدود الجغرافية، وكان يستوجب تدخلاً تواصلياً أكثر فعالية.
تصريحات حول القاصرين زادت من جاذبية الهجرة :
وتوقف الطوب كذلك عند التصريحات والإجراءات الإسبانية المتعلقة بتسوية أوضاع عدد من القاصرين الموجودين في مراكز الاستقبال بسبتة، وإعادة توزيعهم على مدن إسبانية، من بينها مدريد وبرشلونة.
ويرى أن تداول هذه المعطيات دون تقديم سياق قانوني واضح وشروط دقيقة قد يخلق لدى قاصرين آخرين انطباعاً بأن الوصول إلى سبتة يمثل بوابة مباشرة نحو الاستقرار في إسبانيا، وهو ما قد يساهم في تغذية ظاهرة الهجرة الجماعية.
وحذر في هذا السياق من الدور الذي تلعبه بعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي والمؤثرين، بعدما جرى تداول مقاطع مباشرة وصور توثق محاولات العبور، معتبراً أن هذه المشاهد قد تجعل الرحلة تبدو لبعض الشباب والقاصرين وكأنها فرصة سهلة، دون إدراك حقيقي لما قد ينتظرهم بعد الوصول.
وأكد أن خطورة الأمر تتضاعف عندما يتعلق الأمر بأطفال في سن مبكرة، لا يمتلكون بالضرورة القدرة على تقدير تبعات قراراتهم، مشيراً إلى أن مكان الطفل الطبيعي هو المدرسة ووسط أسرته، وليس في محيط المعابر الحدودية بحثاً عن مستقبل يجهل تفاصيله.
فتح المعبر وتداول المشاهد عمّقا الأزمة :
وفي قراءته لما حدث يوم 30 يوليوز، اعتبر الطوب أن فتح المعبر الحدودي بشكل واسع أمام أعداد كبيرة من الأشخاص، بالتزامن مع احتفال المغرب بعيد العرش، ساهم في تعقيد الوضع، خصوصاً مع الانتشار الواسع للصور ومقاطع الفيديو التي وثقت عمليات العبور.
ويرى أن تداول هذه المشاهد، وخاصة تلك التي تظهر أطفالاً وقاصرين ضمن محاولات الوصول إلى سبتة، قد يحول واقعة استثنائية إلى عامل جذب لفئات أخرى، ويغذي لدى بعض الشباب فكرة أن الهجرة الجماعية يمكن أن تشكل طريقاً للخروج من واقعهم.
وحمل البرلماني المسؤولية للسلطات الإسبانية، معتبراً أن طريقة تدبير الوضع والتعامل مع تدفق الأشخاص خلال ذلك اليوم، إضافة إلى غياب توجيه وتواصل واضحين، تستوجب بدورها التقييم والمساءلة.
وفي المقابل، شدد على أن المغرب لا يمكنه التنصل من مسؤوليته في معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة، مؤكداً أن المسؤولية مشتركة وتتطلب تنسيقاً أكبر بين الجانبين المغربي والإسباني.
أزمة اقتصادية تتجاوز الحدود :
ويرفض الطوب اختزال ظاهرة الهجرة في الفقر أو الجوع، معتبراً أن جذورها ترتبط أيضاً بأزمة الأمل والانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً في المناطق الحدودية.
وأوضح أن تطوان والمضيق والفنيدق عاشت لسنوات على وقع وضع اقتصادي واجتماعي خاص، ارتبط بحركة الأشخاص والتجارة عبر معبر سبتة، حيث كانت فئات واسعة تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الأنشطة المرتبطة بهذه الحركة.
وأشار إلى أن تشديد شروط الدخول إلى سبتة وفرض تأشيرة شنغن على فئات واسعة غيّر طبيعة العلاقة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت قائمة بين سكان المنطقة والمدينة، بعدما كان أبناء تطوان والمضيق والفنيدق يدخلون إلى سبتة في إطار ترتيبات تسمح بالحركة اليومية ثم يعودون إلى مدنهم.
ويرى الطوب أن التحول الذي عرفته وضعية المعبر، دون توفير بدائل اقتصادية واجتماعية بالسرعة والكفاية المطلوبتين، ساهم في تعميق هشاشة عدد من الأسر، خصوصاً تلك التي كانت تعتمد على أنشطة مرتبطة بالحركة التجارية الحدودية.
وأضاف أن سكان المنطقة لم يكونوا ينظرون، في السابق، إلى سبتة باعتبارها وجهة للهجرة والاستقرار، وإنما كفضاء للتسوق وقضاء بعض الأغراض والعودة إلى المغرب، معتبراً أن تغير الظروف الاقتصادية والحدودية ساهم في تغيير هذه النظرة لدى فئات من الشباب والقاصرين.
مطالب ببرنامج خاص للمناطق الحدودية :
وأكد البرلماني الاستقلالي أنه سبق أن أثار داخل البرلمان أوضاع المناطق الحدودية في تطوان والمضيق والفنيدق، ونبه الحكومة إلى ضرورة توفير بدائل اقتصادية حقيقية للأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم نتيجة التحولات التي عرفها المعبر.
وأشار إلى أنه سبق أن طالب وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، بوضع برنامج خاص لفائدة هذه المناطق، مؤكداً أن معالجة الوضع لا تعني العودة إلى أنشطة غير قانونية، وإنما توفير بدائل اقتصادية مشروعة وقادرة على ضمان دخل كريم للأسر المتضررة.
وشدد على أن استمرار غياب فرص الشغل والآفاق بالنسبة إلى الشباب يمكن أن يجعل الهجرة تبدو، لدى بعض الفئات، خياراً أكثر جاذبية من البقاء، داعياً الحكومة إلى وضع برامج حقيقية تستهدف الشباب والشابات والأسر، وتشجع الاستثمار والأنشطة الاقتصادية البديلة وتخلق فرصاً مستدامة للشغل.
الهجرة نحو المجهول مسؤولية مشتركة :
وخلص منصف الطوب إلى أن أحداث 30 يوليوز كشفت أن ملف الهجرة في المناطق الشمالية لم يعد مجرد قضية مرتبطة بضبط الحدود، بل أصبح قضية اجتماعية واقتصادية وتواصلية تتداخل فيها مسؤوليات المغرب وإسبانيا.
وأكد أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو التدبير الظرفي، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على خلق فرص الشغل، ودعم الأسر، وتعزيز التنمية في المناطق الحدودية، إلى جانب تواصل فعال ودقيق بشأن قوانين الهجرة ووضعية القاصرين.
كما دعا إلى تعزيز التنسيق المغربي الإسباني لتفادي انتشار المعلومات المضللة التي قد تحول الهجرة إلى وهم جماعي لدى فئات هشة، مؤكداً أن توفير الأمل في المستقبل داخل المغرب يظل أحد أهم مداخل مواجهة هذه الظاهرة.
وشدد الطوب ، على أن استمرار تداول صور الأطفال والقاصرين وهم يحاولون الوصول إلى سبتة، دون التعامل مع الظاهرة بمسؤولية إعلامية وتواصلية، قد يساهم في إعادة إنتاج المشهد، داعياً إلى حماية القاصرين من الاستغلال الإعلامي والرقمي، والعمل في المقابل على معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى البحث عن مستقبل مجهول خارج الوطن.
وبالنسبة إلى البرلماني الاستقلالي، فإن الرسالة الأبرز التي حملتها أحداث 30 يوليوز هي أن المناطق الحدودية تحتاج إلى سياسة عمومية خاصة ومندمجة، تجعل من التشغيل والتنمية والثقة في المستقبل جزءاً أساسياً من مقاربة الهجرة، حتى لا تتكرر مشاهد وصفها بأنها أكثر من كارثة، خصوصاً عندما يكون الأطفال والقاصرون في مقدمة الباحثين عن طريق إلى مستقبل لا يعرفون حقيقته.




