Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رياضة

بين حصيلة الأرقام وضياع اللقب القاري .. هل يستحق خورخي فيلدا الاستمرار مع لبؤات الأطلس؟

احمد البوحساني

45 مباراة، 29 انتصاراً، 11 تعادلاً و5 هزائم .. أرقام تمنح الإسباني خورخي فيلدا حصيلة تبدو، للوهلة الأولى، إيجابية منذ توليه قيادة المنتخب الوطني النسوي المغربي في أكتوبر 2023. لكن كرة القدم لا تُقاس دائماً بالأرقام المجردة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخب ارتفع سقف طموحاته خلال السنوات الأخيرة، وأصبح ينافس على الألقاب بعد أن كان يبحث فقط عن الحضور.

فخلف هذه الحصيلة الرقمية، تختبئ محطات ناجحة وأخرى مخيبة، أبرزها ضياع التأهل إلى الألعاب الأولمبية باريس 2024، وخسارة نهائي كأس أمم إفريقيا أمام نيجيريا رغم التقدم بهدفين دون رد، ثم الاكتفاء بالمركز الرابع في النسخة الأخيرة من البطولة القارية بالمغرب.

وبعد نحو ثلاثة أعوام على بداية تجربته، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل نجح فيلدا فعلاً في تطوير لبؤات الأطلس، أم أنه اكتفى بالحفاظ على ما بناه سلفه رينالد بيدروس؟

بيدروس وضع الأساس.. فهل حقق فيلدا القفزة المنتظرة؟

عندما تعاقدت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مع خورخي فيلدا، لم يكن المنتخب المغربي في مرحلة إعادة البناء.
الإسباني وصل إلى المغرب بعد أسابيع قليلة من قيادته منتخب بلاده إلى التتويج بكأس العالم للسيدات، وبعد مسار طويل مع المنتخبات الإسبانية للفئات السنية، توج خلاله بألقاب قارية وعالمية، كما اختير سنة 2018 أفضل مدرب لكرة القدم النسوية من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم.
لذلك كان رهان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم واضحاً: مدرب صاحب خبرة كبيرة يأتي إلى منتخب قطع بالفعل خطوات مهمة، والمطلوب منه ليس البدء من الصفر، وإنما تحويل هذا التطور إلى تتويج قاري.
و قبل وصول فيلدا، كان الفرنسي رينالد بيدروس قد قاد لبؤات الأطلس إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2022، ثم إلى كأس العالم 2023، حيث حقق المنتخب إنجازاً تاريخياً ببلوغه دور الـ16، ليصبح أول منتخب عربي يتجاوز دور المجموعات في تاريخ كأس العالم للسيدات. بمعنى آخر، تسلم فيلدا منتخباً أصبح من كبار القارة، وكان ينتظر منه أن يصنع الفارق ، ويتوج باللقب القاري الذي ظل بعيداً.

نهائي ضائع.. ثم نصف نهائي ومركز رابع :

في كأس أمم إفريقيا 2024، التي أقيمت في المغرب سنة 2025، وصل المنتخب المغربي إلى النهائي للمرة الثانية توالياً، لكنه خسر أمام نيجيريا بثلاثة أهداف مقابل هدفين، بعدما كان متقدماً بهدفين نظيفين.
الوصول إلى النهائي إنجاز في حد ذاته، لكن طريقة ضياع اللقب جعلت الخسارة أكثر إيلاماً، خصوصاً أن المنتخب كان قريباً جداً من تحقيق أول تتويج قاري في تاريخه.
وفي النسخة التالية، لم يتمكن فيلدا من تجاوز حاجز نصف النهائي، بعدما خسر المنتخب أمام الكاميرون بركلات الترجيح، قبل أن يخسر مباراة المركز الثالث أمام الجزائر بالطريقة نفسها، لينهي البطولة في المركز الرابع.
وهكذا، خلال ثلاث نسخ متتالية من كأس أمم إفريقيا استضافها المغرب، جاءت الحصيلة على الشكل التالي: وصافة في 2022 قبل فيلدا، وصافة في 2025 خلال فترته، ثم مركز رابع في 2026. هنا تحديداً تكمن المفارقة: فيلدا أثبت أنه قادر على قيادة المنتخب إلى الأدوار المتقدمة، لكنه لم ينجح في تحويل هذا الحضور إلى لقب.

أولمبياد باريس.. أول علامة استفهام كبيرة :

من أكثر المحطات التي يصعب تجاوزها عند تقييم تجربة فيلدا، فشل المنتخب المغربي في التأهل إلى الألعاب الأولمبية باريس 2024.
بعد الفوز ذهاباً على زامبيا بهدفين مقابل هدف، كان المنتخب المغربي بحاجة إلى الحفاظ على أفضليته في مباراة الإياب، لكن المباراة انتهت بهزيمته بهدفين دون رد، ليضيع حلم المشاركة الأولمبية. وكانت تلك الفرصة استثنائية، خصوصاً أن المنتخب كان يعيش حينها على وهج إنجازه التاريخي في كأس العالم 2023، وكان التأهل إلى الأولمبياد سيمنح كرة القدم النسوية المغربية حضوراً دولياً جديداً. بالتأكيد، لا يمكن تحميل المدرب وحده مسؤولية كل إخفاق، لكن نتيجة بهذه الأهمية تبقى جزءاً أساسياً من تقييم أي مدرب.

أين اختفت مواهب منتخبات الفئات السنية؟

ربما تكون هذه النقطة من أكثر الملفات التي تستحق النقاش عند تقييم تجربة فيلدا.
فخلال السنوات الأخيرة، برزت مواهب مغربية في منتخبات أقل من 17 سنة وأقل من 20 سنة، وشارك بعضها في نهائيات كأس العالم للفئات السنية، ما كان يفترض أن يشكل قاعدة طبيعية لبناء المنتخب الأول في المستقبل. لكن انتقال هذه اللاعبات إلى المنتخب الأول لم يكن بالحجم الذي كان ينتظره المتابعون. والسؤال هنا ليس موجهاً إلى فيلدا وحده، بل إلى المنظومة كاملة: أين مشروع الربط بين منتخبات الفئات السنية والمنتخب الأول؟ ومن المسؤول عن تحويل المواهب التي تتألق في الفئات العمرية إلى ركائز للمنتخب الأول؟
فيلدا يتحمل جزءاً من المسؤولية باعتباره مدرب المنتخب الأول، لكن الملف يتجاوز صلاحياته ليشمل الإدارة التقنية الوطنية، والأندية، ومنظومة اكتشاف وتطوير المواهب.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في تجربة المدرب الإسباني: الرجل الذي راكم خبرة طويلة داخل منظومة المنتخبات الإسبانية للفئات السنية، كان يفترض أن يكون أحد أبرز القادرين على تسريع عملية إدماج المواهب المغربية الشابة.

معسكرات وإمكانات كبيرة.. لكن ماذا عن المنافسة الحقيقية؟

وفرت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة إمكانات مهمة للمنتخب النسوي، سواء على مستوى التحضير أو المعسكرات أو ظروف العمل، وهذا أمر إيجابي لا يمكن إنكاره.
لكن الإشكال الذي يطرحه بعض المتابعين يتعلق بجودة الاختبارات الودية وقوة المنافسين، ومدى قدرة هذه المباريات على إعداد المنتخب للمواجهات القارية والدولية الحاسمة.
فالانتصار على منتخبات أقل مستوى لا ينبغي أن يكون الهدف في حد ذاته، لأن معيار التطور الحقيقي يظهر أمام منتخبات قوية وقريبة من المستوى الذي سيواجهه المنتخب في المنافسات الرسمية. وبالتالي، فإن تقييم حصيلة 29 انتصاراً يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مستوى المنافسين، وليس عدد الانتصارات فقط.

راتب مرتفع.. وسقف انتظار أعلى :

تحدثت تقارير إعلامية عن حصول فيلدا على راتب سنوي في حدود 200 ألف يورو في المغرب، مقابل نحو 170 ألف يورو خلال تجربته مع المنتخب الإسباني. وهذه الأرقام، في غياب معطيات رسمية منشورة من الجامعة، ينبغي التعامل معها باعتبارها أرقاماً متداولة إعلامياً.
لكن المقارنة تفتح نقاشاً مشروعاً: كلما ارتفعت كلفة المدرب، ارتفع معها سقف الانتظارات. والمشكلة ليست في أن يحصل مدرب كبير على راتب كبير، إذا كان مردوده يبرر ذلك، وإنما في أن تكون هناك علاقة واضحة بين حجم الاستثمار والنتائج. فالمنتخب المغربي لم يكن يبحث عند وصول فيلدا عن مجرد التأهل إلى كأس العالم، لأنه كان قد بلغ المونديال وحقق إنجازاً تاريخياً قبل وصوله. وقد نجح فيلدا بالفعل في قيادة المنتخب إلى التأهل لكأس العالم 2027 بالبرازيل، ليضمن المغرب مشاركته الثانية في المونديال النسوي.
لكن السؤال يبقى: هل التأهل وحده يمثل إنجازاً كافياً لمدرب جاء إلى المغرب بهدف نقل المنتخب إلى مستوى جديد؟ و هل المشكلة في فيلدا وحده؟ .. الجواب بالتأكيد لا.
إن اختزال كل مشاكل كرة القدم النسوية المغربية في شخص خورخي فيلدا سيكون تبسيطاً غير منصف.
المغرب استثمر بشكل كبير في تطوير كرة القدم النسوية، واستضاف كأس أمم إفريقيا ثلاث مرات متتالية، وطور منتخبات الفئات السنية، ووسع قاعدة المنافسة، وأصبح حاضراً في النهائيات القارية والعالمية. لكن هذه الدينامية تحتاج إلى مشروع متكامل يتجاوز مدة عقد أي مدرب.
بمعنى واضح ، مشروع يحدد بوضوح: من هن لاعبات المنتخب بعد خمس سنوات؟ كيف سيتم إعداد الخلف؟ كيف سيتم الانتقال من منتخبات أقل من 17 و20 سنة إلى المنتخب الأول؟ وما هي الأهداف التي يجب تحقيقها على المدى المتوسط والبعيد؟
هذه الأسئلة تضع المسؤولية أيضاً أمام الإدارة التقنية الوطنية، والأندية، والجامعة، وليس أمام المدرب الإسباني وحده.

الحكم على فيلدا.. فشل أم نجاح ناقص؟

من الصعب وصف تجربة خورخي فيلدا بالفشل الكامل. فهو حافظ على حضور المنتخب المغربي بين كبار القارة، وبلغ معه نهائي كأس إفريقيا، ثم نصف النهائي، وضمن التأهل إلى كأس العالم 2027. لكن من الصعب أيضاً اعتبار التجربة ناجحة بالكامل، لأن المنتخب لم يحقق اللقب القاري، ولم يحقق القفزة النوعية التي كان ينتظرها الجمهور المغربي، كما أن مسألة تجديد المجموعة وضخ دماء جديدة ظلت من أبرز علامات الاستفهام. لهذا فإن السؤال الحقيقي هو: هل خورخي فيلدا هو المدرب المناسب للمرحلة المقبلة من مشروع لبؤات الأطلس؟

فالمنتخب المغربي لم يعد يحتاج فقط إلى مدرب صاحب سيرة عالمية، وإنما إلى مدرب قادر على صناعة جيل جديد، وتطوير المواهب، وتحقيق الألقاب، وتحويل المنتخب من وصيف دائم ومنافس قوي إلى بطل للقارة.
وإذا كانت حصيلة 45 مباراة تمنح فيلدا أرقاماً إيجابية، فإن كرة القدم المغربية تنتظر منه ما هو أكبر من الانتصارات: لقباً، وجيلاً جديداً، وهوية واضحة لمستقبل لبؤات الأطلس.
وعندها فقط يمكن القول إن المدرب الذي جاء إلى المغرب بعد تتويجه بطلاً للعالم مع إسبانيا، نجح أيضاً في ترك بصمته الخاصة على كرة القدم النسوية المغربية. أما الاستمرار من أجل الاستمرار، فلا يبدو كافياً.

فالسؤال اليوم لم يعد ماذا حقق فيلدا؟ بل ماذا أضاف؟ وماذا يستطيع أن يحقق إذا مُنح فرصة جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى